فليس ثَمَّ دليل سمعي على تعيينِ نُزولِ هذه الآيةِ بمكَّةَ، وقد يطلقون ذلكَ على جُمْلَةِ السورةِ، وقد عُلِم أن بَعْضَها غيرُ داخلٍ في ذلك الإطلاق، ألا تراهم يقولون: المائدةُ مدنية، وقد نزلَ قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] بِعَرَفَةَ؟
فإن قلت: لو أسمعتني دليلاً على ما قلتَ كانَ أوقعَ لقولكَ عندي، وإن كانَ الدليلُ على كون الآيةِ بخُصوصها مكيةً على غيرِك لا عليكَ.
قلت: روى الكلبيُّ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أن ثابتَ بنَ قيسٍ عَمَدَ فَصَرَمَ خَمْسَ مِئَةِ نخلةٍ، فَقَسَمها في يومٍ واحدٍ، ولم يتركْ لأهلهِ شيئاً، فكره اللهُ له ذلك، فأنزل: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .
ونحوُ هذا رُوي عنِ ابنِ جُبير.
والظاهرُ نُزولُ الآيةِ جملةً واحدةً، وإن كان بعضُها قد ينزلُ دونَ بعضٍ كما بينتُه في كتابي هذا، والله أعلم.
* وأوجبَ اللهُ سبحانه إيتاء الحَقِّ يومَ الحَصاد، وجَعَلَهُ وقتَ الإيتاءِ، لا وقتَ لهُ غيره.
فإن قلتَ: فهل وقتُ الإيتاءِ وقتٌ لتعلُّقِ هذا الوجوب، أو يتقدَّمُ الوجوبُ عليه؟
قلنا: قالَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ المالِكيُّ: وقتُ وجوبِ الإيتاءِ وقتُ وجُوب التَّعَلُّقِ؛ لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
وحكاه صاحبُ"التقريب"قولًا للشافعيِّ؛ لأنه لو وَجَبَ، لما جازَ تأخيرُه.
ومذهبُ الشافعيّ ومالِكٍ وسائرِ المالكيةِ أنَّ وقتَ وجُوبِ التَّعَلُّقِ عندَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَبْدو صلاحُها، ويُضَمِّنُها أربابَها، ولأنه وقتُ اقْتياتِهِ الذي مَنَّ الله بهِ علينا، فهو واجِبٌ مُوَسَّعٌ كالصلاة، والإيتاءُ يومَ الحصادِ بيانٌ لما قد وَجَبَ يومَ الحَصاد.
* إذا تمَّ هذا، فقدْ تَمَسَّكَ الحَنَفِيَّةُ بهذهِ الآيةِ في وُجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما أخرجتْهُ الأرضُ، ما خلا الحشيشَ والحَطَب والقَصَبَ؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ الزَّيتون والرُّمّانَ، ثم قال: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .