يعني - واللَّه أعلم - أن الآيات مما لا يَقَعُ مَعَهُ إِنْظَارْ.
ومعنى (لَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي لتم بإِهْلَاكِهِمْ.
و"قُضِيَ"في اللغة على ضُروبٍ كَلَها يَرجِعُ إِلىٍ معنى انقطاع الشيء ِ وتمامه، فمنه قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) معناه ثُمَّ حَتَمَ بعد ذلك فأتمَّه، ومِنْه الأمر وهو قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) معناه أمَرَ إِلا أنَّه أمر قَاطِع حَتْمٌ.
ومنه الإعلَامُ وقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) أي أعلمناهم إِعلاماً قاطعاً، ومنه القضاءُ الفَصلُ في
الحُكْمِ، وهو قوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)
ومثل ذلك قولك قَد قَضَى القَاضي بَينَ الخُصُوم، أي قد قطع بينهم في الحكم، ومن ذلك قد قضى فلان دَيْنَه، تأويله قطع ما لغريمه عليه فأدَّاه إِلَيه وَقَطع ما بَينَه وبَينَه.
وكل ما أُحكِم فقد قُضِيَ، تقول قد قضيت هذا الثوب، وقد قضَيتُ هَذه الدارَ إِذا عَمِلْتُها وأحكمت عمَلها.
قال أبو ذُؤَيب الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما... داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ(9)
أي لو أرسلنا إِليهم مَلَكاً لم نرسله إِلا في صورة إِنْسَانٍ، لأن الملَكَ فيمَا
قِيلَ لو نَظَرِ إِلَيه نَاظِر على هَيئَتِه لَصَعقِ، وكانت الملائكةُ تأتي الأنبِيَاءَ في
صورَةِ الإنْس، فمن ذلك أن جِبرِيلَ كان يأتي النبي عليه السلام إذَا نَزَل
بِالوَحيِ في صورة دِحْيَةَ الكَلْبِى ومنه نبأ الخَصْم إِذ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، لأنَّهُمَا
ورَدَا على دَاودَ وهُما مَلَكانِ في صورَة رَجلَين يَخْتصِمَانِ إِليه.