كارهين له ، أن يجتمعوا ثم يفعلون ما يريدونه من الإهلاك . وقال: {فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ} فلولا أنه بحقيقة هذه الكلمة - وهو توكله على الله - يعجزهم عما تحداهم به من مناجزته ، لكان قد طلب منهم أن يهلكوه . وهذا لا يجوز ، وهذا طلب تعجيز لهم . فدلّ على أنه - بتوكله على الله - يعجزهم عما تحدّاهم به ، وكذلك هود ، يُشهد الله تعالى وإياهم أنه بريء مما يشركون بالله . ثم يتحداهم ويعجزهم بقوله: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} . يبين أنه توكل على من أخذ بنواصي الإنس وسائر الدواب . فهو يدفعكم عني لأني متوكل عليه ، ولو كان وجود التوكل كعدمه في هذا ، لكان قد أغراهم بالإيقاع به ، ولم يكن لذكر توكله فائدة ، إذ كان حقيقة الأمر عند هؤلاء أنه لا فرق بين من توكل ومن لم يتوكل في وصول العذاب إليه . وهم كانوا أكثر وأقوى منه . فكانوا يهلكونه . وهو لو قال: فإنّ الله مولاي وناصري - ونحو ذلك - لعلم أنه مخبر أنّ الله تعالى يدفعهم , وإنما يدفعهم لإيمانه وتقواه , ولأنه عبده ورسوله . فالله مع رسوله وأوليائه , فإذا كان بسبب الإيمان والتقوى يدفع الله عن المؤمنين المتقين , علم أن العبد تقوم به أعمال باطنة وظاهرة , تجلب بها المنفعة وتدفع بها المضرة . والتوكل من أعظم ذلك . وعلم أن من ظن أن المقدور من المنافع والمضارّ , ليس معلقاً بالأسباب . بل يحصل بدونها , فهو غالط . وكذلك من جعل ذلك مجرّد أمارة وعلامة , لاقتران هذا بهذا , فقد أخطأ , فإن الله أخبر أنّه فعل هذا بهذا في غير موضع من القرآن , في خلقه وأمره . كقوله: {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 57] . وقوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [