إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة ، شريطة ألا يستقبل الإنسان ما يقرأه أو يسمعه من معلومات والذهن مشغول بأشياء أخرى . والدليل على ذلك: أن الإنسان قد يسمع القصيدة مرة واحدة أو يسمع الخطبة مرة واحدة فيحفظ من القصيدة أكثر من بيت ، أو يحفظ من الخطبة أكثر من مقطع ؛ لأن ذهن الإنسان في تلك اللحظة كان خياليا فالتقط الأبيات التي حفظها ، وكذلك الخطبة ، أما بقية أجزاء القصيدة أو الخطبة فقد يكون الذهن شرد إلى أشياء أخرى . ولذلك يحاول الإنسان أن يكرر الاستماع والإصغاء والقراءة أكثر من مرة ليهيئ ويعد بؤرة الشعور ، فيحفظ الإنسان ما يريد .
إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة ، أما الذاكرة فهي تتذكر أي تستحضر المعاني التي قد تختفي في الحافظة ، ولا شيء يضيع في الحافظة أبدا ، بحيث إذا جاء الاستدعاء طفت المعاني على السطح .
كأن انطباعات الإنسان في نعم الله لا تُنسى أبدا . وهي موجودة عند الإنسان ، ولكنها تريد من الإنسان أن يستدعيها من الحافظة ويطلبها .
ولنر دقة الأداء القرآني: {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} سبحانه يقول هنا"نعمة"مع ان نعم الله كثيرة ، ولكن الله قد آثر أن يأتي بالمفرد ولم يأت بالجمع . وذلك ليبين للإنسان أن أية نعمة في أية زاوية من حياة الإنسان تستحق أن يذكرها الإنسان ؛ فنعم الله كثيرة ، ولكن ليتذكر الإنسان ولو نعمة واحدة هي نعمة الإيجاد من عدم ، أو نعمة البصر ، أو السمع . وكل نعمة من هذه النعم تستحق من الإنسان أن يتذكرها دائما ، ولا تطرد نعمة نعمة أخرى ، فما بالنا إذا كانت النعم كثيرة؟ ولو تمعن الإنسان في كل نعمة لاحتاجت إلى أن يتذكرها دائما ، أو أن النعمة اسم للجنس كله ؛ لأن المفرد يطلق على كل الجنس ، مثل الإنسان فإنها تطلق على كل فرد من أفراده مثل محمد وعلي وخالد .