قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] .
وجه الدلالة:
دلت الآية على مشروعية التيمم عن الحدث الأكبر، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} ، وهو عام يشمل كل ملامسة، ومنه الجماع.
وحمل الملامسة في الآية على الجماع أولى، حتى يشمل نوعي الحدث في التيمم، كما هو الحال في الوضوء، ولو حمل على مجرد اللمس أو التقبيل لكان تكرارًا محضًا، وهذا يناف بلاغة القرآن المعهودة، فإن التأسيس خير من التأكيد.
الوجه الثاني: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وهو عائد إلى
المحدث والجنب جميعًا.
ثانيًا: من السنة:
27 -عن عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه: أن رجلاً أتى إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» ، فقال عمر: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت.
28 -عن أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه قال - حين ناظر ابن مسعود: «أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله: لا يصلّي حتى يجد الماء، فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «كان يكفيك ... » ، قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما دري عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم».
وجه الدلالة:
فيه دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب، وعلى أن المراد بالملامسة في الآية: هو الجماع.