الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، وحتى الذين حسنوا الحديث بمجموع طرقه، فإنهم اعتبروا الشاهد من الحديث في شأن المسح على الجبائر - وهي زيادة: «ثم يمسح عليها» - ضعيفة ومنكرة.
قال البيهقي: «ولا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب - أي المسح على الجبيرة - شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدم - أي حديث جابر السابق - وليس بالقوي» .
الوجه الثاني: أنه يحتمل أن الواو في قوله: «ويعصب» بمعنى أو، ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة.
ثانيًا: من المعقول:
أن واضع الجبيرة أخذ شبهًا من الجريح؛ لأنه يخاف الضرر من غسل العضو، وأخذ شبهًا من لابس الخف؛ لأن المشقة تلحقه في نزع الجبيرة، فلما أشبههما وجب الجمع بين المسح والتيمم.
المناقشة:
يمكن مناقشته من وجهين:
الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق، فالجريح لا يستطيع مباشرة المسح لخوف زيادة الضرر، وليس عليه جبيرة ليمسحها، والغسل متعذر، فتعين التيمم.
وأما لابس الخف فطهارته تختلف عن طهارة الماسح على الجبيرة؛ لأن طهارة الماسح على الجبيرة طهارة ضرورة، وأما مسح الخف فإنه تخفيف ورخصة.
الوجه الثاني: أن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية، بل إما أن تكون طهارة العضو المسح أو التيمم، ولا يكلف الله عبدًا بعبادتين سببُهما واحد.
الراجح:
الراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم وجوب التيمم مع الغسل والمسح، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة.
ورغم أن مذهب الحنابلة عدم التيمم مع الغسل والمسح، إلا أنهم قالوا: بوجوب الجمع بين المسح والتيمم على ما زاد من الحاجة في الجبيرة، فيغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة ويتيمم لما زاد على قدر الحاجة.
واستدلوا على ذلك بأن المسح على الجبيرة إنما جاز للضرورة، فوجب أن يتقيد الجواز بموضع الضرورة.
والراجح - كما ذكرنا - أنه لا يلزمه التيمم، وأما ما استدل به الحنابلة في هذه المسألة فيجاب عنه بجوابين:
1 -أن تقدير الموضع الزائد على الحاجة قد لا ينضبط.
2 -أنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة.