تقدم اختلاف الفقهاء في الخوف المبيح للتيمم، وأن القول الراجح في ذلك ما ذهب إليه الجمهور القائل: بأن المبيح للتيمم هو خوف الضرر.
وبناء على ما سبق بيانه في المطلب السابق يمكن أن نحدد الخوف المبيح للتيمم بأنه: ما يُخاف منه عند استعمال الماء الهلاك، أو تلف عضو من أعضائه، أو ذهاب منفعة ذلك العضو، أو يخاف باستعماله مرضًا مخوفًا، أو يخاف زيادة العلة أو تأخر البرء، أو حصول شيء قبيح على عضو ظاهر من جسمه.
فعلم مما سبق أن المبيح للتيمم ليس خوف التلف فقط، ولا مطلق المرض، بل المعتبر هو حصول الضرر، فمتى خاف المكلف الضرر باستعمال الماء، أو يجد حرجًا في استعماله جاز له التيمم وإلا فلا.
قال ابن رجب الحنبلي: «والحنيفية السمحة أوسع من ذلك، وخوف
الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته، أو التلف، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم».
وقال ابن الهمام: «ولولا ما عُلم قطعًا أن شرعية التيمم للمريض إنما هو رخصة لدفع الحرج عنه، والحرج إنما يتحقق عند خوف الاشتداد أو الامتداد، لكان جائزًا للمريض مطلقًا، خاف عاقبته أو لم يخف» .
المطلب الرابع
حكم تيمم المريض الذي
لا يجد من يناوله الماء
اتفق الفقهاء على أن المريض إذا كان مسافرًا أو حاضرًا وعجز عن استعمال الماء بنفسه ولم يجد من يناوله إياه، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... } إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43، المائدة: 6] .
وجه الدلالة:
أن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء غير قادر على استعمال الماء، فيباح له التيمم.
ثانيًا: من المعقول:
1 -أنه لا سبيل له إلى الماء فأشبه من وجد بئرًا ليس له ما يستقي منها.
2 -أن العجز متحقق والقدرة موهومة فوجد شرط الجواز.
3 -قياسًا على من حال بينه وبين الماء سبع أو عدو.
4 -قياسًا على العادم للماء.
واختلفوا في إعادة الصلاة على قولين: