قِيلَ لَهُ: هُوَ شَاذٌّ نَادِرٌ ، وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ ، وَلَا حُكْمَ لِلشَّاذِّ النَّادِرِ فِيهَا ؛ وَعَلَى أَنَّا خَصَّصْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي وَجْهِ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ خُرُوجٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ ، وَالْعُمُومُ سَالِمٌ لَنَا فِيمَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةُ خُصُوصِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُدْخِلُ الْمَاءَ عَيْنَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ.
قِيلَ لَهُ: لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ ، وَقَدْ كَانَ مُصَعِّبًا عَلَى
نَفْسِهِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ يَفْعَلُ فِيهَا مَا لَا يَرَاهُ وَاجِبًا ، قَدْ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَيَفْعَلُ أَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ ؛ وَحَدِيثُ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيهِ نَصَّ عَلَى إيجَابِهَا فَرْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: ذُكِرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الثَّلَاثَ فَرْضًا ، وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِهِ.
قِيلَ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الثَّلَاثِ فَرْضًا ، وَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الِاثْنَيْنِ وَبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ فِيمَا وَرَاءَهُ ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ غَسْلُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِمَّا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ ، بِدَلَالَةِ أَنَّ عَلَيْهِ إبْلَاغَ الْمَاءِ أُصُولَ الشَّعْرِ لِأَنَّهَا يَلْحَقُهَا حُكْمُ التَّطْهِيرِ لَوْ أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ ، فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ تَطْهِيرُ دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَإِنْ قِيلَ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.