ثم أخبر عن خواص الإيمان لخواص الإنسان بقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] ، إلى قوله {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 68] ، والإشارة فيه: إن الله تعالى أكد الكلام بالقسم، والقسم بذاته تبارك وتعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] ؛ يعني: الذين يزعمون أنهم يؤمنون، ليعلم أن الإيمان الحقيقي الذي ينفع العبد وينجيه ليس بمجرد التصديق والإقرار، بل له محك يضرب عليه نقود الإيمان فيظهر الخالص من المغشوش، والجيد من الرديء، والبر من البهرج، وهو قوله تعالى: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] ، حتى يحكموا الشرع لا الطبع، والنبوة والمولى لا الهوى، ووارد الحق لا موارد الخلق فيما التبس عليهم، واختلف أرادهم فيه وتخيّرت عقولهم عنه، {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [طه: 62] ، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} [النساء: 65] ؛ يعني: وإن كان القضاء على خلاف الطبع وهو النفس لا يجدوا في مرآة أنفسهم صورة كراهة ولا خيال نزاهة من قضاء الحق، بل من القضايا الأزلية والأحكام الإلهية، {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65] للحق وأحكامه الأزلية باستسلام النفوس ورضا القلوب.