وكذلك إذا عمل العبد على وفق الطبع ومتابعة الهوى ومخالفة الشرع، يصير بإكسير الشقاوة بعض فضية الصفات النورانية الروحانية نحاس الصفات الظلمانية النفسانية على قدر العمل، فيصير اللب جلداً وقشراً إلى أن تصير الألباب النورانية كلها جلوداً ظلمانية، وهذا سر قوله تعالى: {أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 258] ، فالإشارة في قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56] ، إن جلود الصفات الروحانية كلما نضجت بنار الحسد والبخل، والحقد والكبر، والإنكار والجحود وغيره من الأخلاق الذميمة ومخالفات الشريعة، {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} [النساء: 56] ، من الصفات النفسانية الظلمانية، {لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء: 56] ، البعد والمحجوبية عن الله تعالى وعذاب المبدلية من الصفات النورانية الروحانية إلى الصفات الظلمانية النفسانية، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} [النساء: 56] ، فلعزته لا يهتدي إليه كل جبار متكبر سفيه النفس، وفي الهمة قصير النظر ركيك العقل عابد الهوى أسير الشهوة، قليل النخوة كثير الحسد والحرص، طالب الدنيا المعجب برأيه الخبيث في ذاته المفسد في صفاته، {حَكِيماً} [النساء: 56] ، هدى بحكمته أولياء، وإلى حضرته كل هين سهل قريب متواضع، قانع صابر شاكر، سليم مستسلم، كريم النفس رقيق القلب خفيف الروح على الهمة، دقيق النظر لطيف الطبع دائم السرور، الشريف في ذاته الكريم في أخلاقه وصفاته، فمن جعل لبابة الروحانية هاهنا في الجلود من الصفات النفسانية، فيحشر يوم القيامة وكل وجوده جلود لا لب له، فيصلى النار {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء: 56] ، وهذا النضج والتبديل كان حاصلاً له في الدنيا ولكن لم يذق المسه حتى ينتبه،"فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"، فافهم جيداً، وتنبه يا مسكين