فمن فوائد العلوم الباطنة معرفة العلم بالأعمال المنجيات والأعمال المهلكات، ومعونة العمل بالعلوم المنجيات والعلوم المهلكات، وقوة حمل النفس على العمل بالمنجيات، وقوة منعها عن العمل بالمهلكات بالصدق والإخلاص، فالعمل والعلم إذا كانا عاريين عن هذه المعارف والقوة والإخلاص - بجلبان حب الدنيا ورياستها وشهواتها ولذاتها إلى القلب فتعميه وتصمه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حبك الشيء يعمي ويصم"، وكذلك قال الله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} [النساء: 47] ؛ أي: وجوه القلب، وطمسها عماه وصمها يدل عليه قوله تعالى: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23] ، وقال: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَآ} [النساء: 47] ؛ أي: فيرد وجوههم الناظرة إلى الله عما كانوا عليه في الميثاق على أدبارها؛ وهي الدنيا والهوى، {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} [النساء: 47] ؛ أي: نبعدهم عن الحضرة ونطردهم، ونمسح صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية، {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ} [النساء: 47] ؛ أي: مسخناهم بالصورة ونمسخ هؤلاء بالمعنى، ومسخ المعنى أشد وأصعب من مسخ الصورة، فإن أعمى الصورة يمكن أن يكون في الآخرة بصيراً، ولكن من كان في هذا أعمى بالقلب {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}