خوطبت: {وَاسْجُدْ} [العلق: 19] ؛ أي: تنزل مركب أوصاف وجودك لتحمل على رفرف وجوده إلى قاب قوسين أوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله، وهذا هو ستر التشهد بعد السجود.
ثم قال تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] ؛ يعني: كما أنكم لا تجدون القربة وأنتم سكارى من الغفلات، أيضاً لا تجدونها مع جناية استحقاق العبد؛ وهي ملامسة الدنيا الدنية، إلا على طريق العبور بقدم ظاهر الشرع سبيل الأوامر والنواهي، {حَتَّى تَغْتَسِلُواْ} [النساء: 43] ، بماء التوبة والإنابة، وصدق الطلب وحسن الإرادة، وخلوص النية جناية ملامسته الدنيا وشهواتها، {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى} [النساء: 43] ، بانحراف مزاج القلب في طلب الحق، {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] ، كتردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى، {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ} [النساء: 43] ، من غائط تتبع الهوى، {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَآءَ} [النساء: 43] ؛ أي: لامستم الأشغال الدنيوية، فأجبتم وتباعدتم عن الله تعالى بعد ما كنتم مجاوري حظائر القدس، وزلفتم في رياض الأنس {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [النساء: 43] ، صدة الإنابة والرجوع إلى الحق بالإعراض والانقطاع عن الخلق، {فَتَيَمَّمُواْ} [النساء: 43] ؛ أي: فاقصدوا، {صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43] ، وهو شراب أقدام الرجال الطيبين من سوء الأخلاق والأعمال، {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء: 43] تراب أقدامهم {وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] ، وتمسحوا بأيديكم أذيال كرامهم مستسلمين بصدق الإرادة لأحكامهم، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً} [النساء: 43] عنكم التقصير والانقطاع إليه بالكلية، ولعل يعفو عنكم التلون بالدنيا الدنية بهذه الخصلة المرضية، {غَفُوراً} [النساء: 43] لكم آثار الشقوة من غبار الشهود، فإنه يسعد بهم أنيسهم؛ لأنهم قوم لا يشقى بهم جليسهم.