هاء النفس، فإذا فنيت النفس فنيت أوصافها، ولهذا قال تعالى عقيب الآية: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء: 36] ؛ لأن الاختيال والفخر من أوصاف النفس، والله تعالى لا يحب النفس ولا أوصافها؛ لأن النفس لا تحتسب الدنيا ولا المحبة من أوصافها، فإن النفس تحب الدنيا وتبخل بها وتأمر بالبخل.
فقال تعالى في صفة الفخور: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 37] ، إلى أن قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ} [النساء: 38] ؛ لأن النفس محجوبة عن الله تعالى بهواها، فإنها اتخذت إلهها هواها، {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 38] ، فإن الهوى يضلها عن سبيل الله تعالى: كالشيطان فما دام هو يكون قريناً لها فهو شيطانها، {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} [النساء: 38] .
ثم أخبر عن إنفاق أهل النفاق بقوله تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 39] ، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى يخبر عن دناءة همة الأشقياء، وقصور نظرهم أنهم يتقنعون بقليل من الدنيا، ويحرمون عن كثير من المقامات الأخروية السنية، ولا ينفقون في طلب الحق، فقال تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 39] ؛ يعني: من المشقة والنقل ظاهر، {لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 39] ، ظاهراً وباطناً {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النساء: 39] ؛ أي: بعض ما رزقهم الله لينالوا السعادة الكبرى والدرجات العلا.