ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل إنما ذكروا لأن بعض الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. فأخبر - سبحانه - أنهم عبيد من عباده، وخلق من خلقه.
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع فقال: وعندي أن الترقي قائم، ولكن في المعنى الذي سيق له الكلام. وذلك أن النصارى غلوا غلوا كبيرا في المسيح، لأنه ولد من غير أب، ولأنه جرت على يديه معجزات كثيرة، ولأنه روحانى المعاني، فيبين الله - تعالى - أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبد الله، ولا يستنكف من هو أعلى منه في هذه المعاني أن يكون عبدا لله، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم. وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات، ومنهم من كان الروح الذي نفخ في مريم، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقي في هذه المعاني، وهم فيها يفضلون عيسى وغيره. وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية المطلقة، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل في المنزلة عند الله. وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف، والترقي دائما يكون في المعاني التي سيق لها الكلام دون غيرها. وليس المتأخر أعلى في ذاته من المتقدم وأفضل، ولكنه أعلى في الفعل الذي كان فيه كقول القائل: لا تضرب حرا ولا عبدا. فالتدرج هنا في النهي عن الضرب، لأنه إذا كان ضرب العبد غير جائز فأولى أن يكون ضرب الحر غير جائز.
وذكر وصف المقربين، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك غيرهم.
ثم هدد - سبحانه - كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال: مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً.
أي: ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره، فإن مرد العباد جميعا إليه - سبحانه - وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
فالضمير في قوله سَيَحْشُرُهُمْ