وقال - صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم» متفق عليه.
وكان علمهم بالله قبل ذلك باهتاً، وكانوا قبل ذلك يسجدون للأصنام والأوثان، وكانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل، وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية، فأخذوا بأيديهم أزمة الأمور، وتولوا إدارة المملكة، وتدبير شئونها، وتوزيع أرزاقها، وهكذا زين لهم الشيطان سوء أعمالهم.
فكانت ديانتهم سطحية طافية، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم، ولا تأثير لها في أخلاقهم وسلوكهم.
وكان إيمانهم بالله، وإحالتهم خلق السموات والأرض إلى الله، لا يزيد على جواب تلميذ قيل له: من بنى هذا القصر؟
فيسمي ملكاً من الملوك دون أن يخافه أو يخضع له، فكان دينهم عارياً عن الخشوع لله، ودعائه، وهيبته، وما كانوا يعرفون عن الله ما يولد عظمته في قلوبهم، ولا ما يحببه إليهم، فكانت معرفتهم مبهمة غامضة، قاصرة مجملة، لا تبعث في نفوسهم هيبة، ولا محبة، ولا عبادة.
فانتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة
عميقة واضحة روحية، ذات سلطان على النفس والروح، والقلب والجوارح، ذات تأثير في الأخلاق والسلوك، وذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها.
آمنوا بالله الذي خلق كل شيء، المالك لكل شيء، وله الخلق والأمر، وعلموا أنه يثيب على الطاعة الجنة، ويعاقب على المعصية بالنار، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وبيده مقاليد الأمور في السماء والأرض.
وظهر منهم من روائع الإيمان واليقين، وقوة الصبر والشجاعة، ما حير العقول، ولا يزال موضع حيرة ودهشة إلى الأبد، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق بالله سبحانه.
وكان هذا الإيمان قوة باعثة، ومدرسة خلقية ونفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية: من صرامة إرادة، وقوة نفس، ومحاسبتها والإنصاف منها، وكان أقوى وازع عرف التاريخ يزجر النفس عن الزلات والسقطات.