فإن غرض الدين الحقيقي وهدفه هو تحقيق العبودية لله رب العالمين في حياة البشرية كلها، وإقامة نظام الحق والإمامة الراشدة، وتوطيد دعائم الدين في الأرض كلها، حتى يكون الدين كله لله، وينسجم العالم البشري مع العالم الكوني كله في طاعة الله وعبادته سبحانه.
ولا يتم ذلك إلا وفق سنة الله بالدعوة إلى الله أولاً .. فإذا دخل الإيمان في قلوب البشر اشتاقت قلوبهم لمعرفة الأحكام .. وجاء عندهم الاستعداد لفعل الأوامر واجتناب النواهي .. فإذا حصل هذا وحقق البشر العبودية مكن الله لهم في الأرض كما قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور: 55] .
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويؤمن بالله ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل على البشرية، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة الدين الحق في العالم.
فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب فاعلم أنه مدخول في إيمانه، مرتاب في أمره، فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك.
وكل من يؤمن بالله ورسوله ويدين دين الحق لا ينتهي عمله فإنه يبذل جهده لإفراغ حياته في قالب الإسلام فحسب، بل يلزمه بمقتضى ذلك الإيمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدي الكفار والفجار والظلمة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويستعبدون البشر، حتى يتسلمه رجال ذو صلاح، ممن يتقون الله، ويرجون حسابه، ويقوم في أرض الله حكمه ودينه، وشرعه الذي ارتضاه لعباده، وأرسل به رسله، وبه صلاح الدنيا والآخرة.
إن الله تبارك وتعالى حين يدعو الناس إلى إقامة حكم الله وشرعه في الأرض، إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم، وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد إلى عبودية الله وحده.