إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والمال والعرض، ومهما تكن تكاليف العبودية لله فهي أربح وأقوم، حتى بميزان هذه الحياة، فضلاً عن وزنها بميزان الله عزَّ وجلَّ الذي له ما في السموات وما في الأرض.
إن صلاح البشرية وفسادها متوقف على من بيده زمام أمرها من الأمراء والعلماء.
فهم الذين لهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمور، وبيدهم السلطة المطلقة في تدبير شئون الإنسانية، وتتعلق بأذيالهم نفوس الأمة وآمالها، ويصوغون الحياة كما يحبون ولو كان يغضب الله ورسوله.
فإذا كان هؤلاء الزعماء ممن يؤمنون بالله ويرجون حسابه، فلا بد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح، وأن يعود الأشرار والفجار إلى كنف الدين، وهذه وظيفة الخليفة كما قال سبحانه: يَادَاوُودُ إِنَّا
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) [ص: 26] .
وأما إذا كانت سلطة الزعامة والإمامة بأيدي رجال انحرفوا عن الدين الحق، وعصوا الله ورسوله، واتبعوا الشهوات، وانغمسوا في الفجور والطغيان، فلا محالة أن يسير نظام الحياة تدريجياً ثم كلياً بقضه وقضيضه على البغي والعدوان، والفواحش والمنكرات، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والعلوم، والآداب والأخلاق، والمعاشرات والمعاملات، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها، وماذا بعد الحق إلا الضلال: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) } [القصص: 50] .