إن الإيمان بهذا الإله العظيم، الذي خلق السموات والأرض، والذي استوى على العرش، والذي تجري وتتحرك المخلوقات بأمره، والذي له الخلق والأمر كله، هو الذي يدعو إليه الرسل.
إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة، هي التي يدعون إليها البشرية كافة، كلما قعد لها الشيطان على صراط الله، فأضلها عنه، وردها إلى الجاهلية.
والله في القرآن الكريم يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون المطيع لربه، والذي يعيشون فيه، والإسلام لله الذي أسلم له الكون كله، والذي يتحرك مسخراً بأمره.
وفي ذلك ما يهز القلب البشري هزاً، ويستحثه من داخله على أن ينخرط في
سلك الخلائق الطائعة لربها، ولا يكون هو وحده نشازاً في نظام الوجود كله.
إن رسل الله عزَّ وجلَّ لا يدعون البشرية لأمر شاذ، أو مستحيل، أو ضار، إنما يدعونهم إلى التوحيد الذي يقوم عليه الوجود كله، والمركوز في فطرة البشر.
إسلام الوجه لله ... والإيمان به .. وعبادته وطاعته .. وتنفيذ أوامره .. مع الخلائق الأخرى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } [الحج: 18] .
ومن سنة الله عزَّ وجلَّ في إرسال الرسل بعث كل رسول من قومه وبلسانهم؛ تأليفاً لقلوب الذين لم تفسد فطرهم، وتيسيراً على البشر في التفاهم والتعارف، وإن كان الذي فسدت فطرهم يعجبون من هذه السنة فلا يستجيبون، ويستكبرون أن يؤمنوا لبشر مثلهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) } [إبراهيم: 4] .
ويطلبون أن تبلغهم الملائكة، وإن هي إلا تعلة، وما كانوا ليستجيبوا إلى الهدى مهما جاءهم من أي طريق.