وهذا ما بينه الله في القرآن في حكاية أحوال الرسل مع أممهم .. فمصارع المكذبين للرسل تجري على سنة لا تتبدل .. نسيان لآيات الله .. وانحراف عن طريقه .. إنذار من الله للغافلين على يد رسول .. استكبار عن العبودية لله وحده .. عدم الخضوع لرب العالمين .. اغترار بالرخاء .. واستهزاء بالإنذار .. واستعجال للعذاب .. طغيان وتهديد .. وإيذاء للمؤمنين .. وثبات للمؤمنين .. ومفاصلة على العقيدة .. ثم المصرع الذي يأتي وفق سنن الله بعد التبشير والإنذار.
وطاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق، بل يتابع الحق ويطارده، وأهل الباطل لا يطيقون رؤية الحق يعيش، ولا رؤية جماعة تدين لله وحده، وتخرج من سلطان الطواغيت كما قال قوم شعيب: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 88،89] .
فالطواغيت لن يتركوا أهل الإيمان إلا أن يتركوا دينهم كلية ويعودوا إلى ملة الكفر، فلا بدَّ من الصبر، وخوض المعركة، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة، ثم تجري سنة الله بعد ذلك بالفتح: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) } [الأعراف: 89] .
إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل الله الكرام سبقه موكب إيمان الخلائق في الكون كله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [الأعراف: 54] .