فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 118061 من 466147

وقال آخرون منهم: بل العلة في إبطال النبوّات أنه لا سبيل إلى العلم بصحتها لغيبها وأن ظهور ما ليس في الطباع من معجزاتهم ممتنع الطباع الدافعة لها فهذا فاسد من وجهين:

أحدهما: أن المعجزات من فعل الله تعالى فيهم فخرجت عن حكم طباعهم.

والثاني: أنهم لما تميزوا بخروجهم عن الطباع من الرسالة تميزوا بما يخرج عن عرف الطباع من الإعجاز.

وقال آخرون منهم: بل العلة في إبطال النبوّات أن ما يظهرونه من المعجز الخارج عن العادة قد يوجد مثله في أهل الشعبذة «1» والمخرقة وأهل النار نجيات وليس ذلك من دلائل صدقهم فكذلك أحكام المعجزات، وهذا فاسد من وجهين:

أحدهما: أن الشعبذة تظهر لذوي العقول وتندلس على الغر الجهول فخالفت المعجزة التي تذهل لها العقول.

والثاني: أن الشعبذة تستفاد بالتعليم فيتعلمها من ليس يحسنها فيصير مكافئا «2» لمن أحسنها ويعارضها بمثلها والمعجزة مبتكرة لا يتعاطاها غير صاحبها ولا يعارضه أحد بمثلها كما انقلبت عصى موسى حية تسعى تلتقف ما أفكه السحرة فخرّوا له سجدا، ولئن كان في إبطاله هذه الشبهة دليل على إثباتها فيستدل على إثبات النبوّات من خمسة أوجه وإن اشتملت تلك الأجوبة على بعضها.

أحدها: أن الله تعالى منعم على عباده بما يرشدهم إليه من المصالح ولما كان في بعثة الرسل ما لا تدركه العقول كان إرسالهم من عموم المصالح التي تكفل بها.

والثاني: أن فيما تأتي به الرسل من الجزاء بالجنة ثوابا على الرغبة في فعل الخير، وبالنار عقابا يبعث على الرهبة في الكف عن الشر، صارا سببا لائتلاف الخلق وتعاطي الحق.

والثالث: أن في غيوب المصالح ما لا يعلم إلّا من جهة الرسل فاستفيد بهم ما لم يستفد بالعقل «3» .

والرابع: أن التأله لا يخلص إلّا بالدين، والدين لا يصلح إلّا بالرسل المبلغين عن الله تعالى ما كلف.

والخامس: أن العقول ربما استكبرت من موافقة الأكفاء ومتابعة النظراء، فلم يجمعهم عليه إلّا طاعة المعبود فيما أداه رسله فصارت المصالح بهم أعم والإتقان بهم أتم والشمل بهم أجمع والتنازع بهم أمنع، ويجوز إثبات التوحيد والنبوّات بدقيق الاستدلال كما يجوز بجليه، فإن ما دق في العقول هو أبلغ في الحكمة وقد تلوّح لابن الرومي هذا المعنى فنظمه في شعره فقال:

غموض الحق حين يذب عنه ... يقلل ناصر الخصم المحق

يجل عن الدقيق عقول قوم ... فيقضي للمجل على المدق انتهى انتهى {أعلام النبوة، للماوردي} ...

(1) الشعبذة: الشعوذة وأعمال السحر وخفة اليد والسيمياء الذي يهدف إلى التأثير على المشاهد لجعله يرى ما لا يوجد أمامه فعلا.

(2) مكافئا: مساويا في الخبرة والقدرة على أداء نفس الأمر.

(3) وهو الشرع والطاعات والعبادات والمحرّمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت