والثالث: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا: قد كان في عقولنا حسن الإيمان والصدق والعدل وشكر النعم، وقبح الكفر والكذب والظلم، ولكن لم يكن فيها إن ما ترك الحسن إلى القبيح عذب بالنار خالداً مخلداً فيها، وإن من ترك القبيح إلى الحسن أثيب الجنة خالداً فيها، لأنه إذا كان يدرك بالعقل أن الله جل جلاله خلقاً هو الجنة وخلقاً هو النار الفانية.
كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، هوالنار الفانية.
كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، والآخر لأهل الطاعة، ولو أنا نعذب على المعاصي وذنوب متناهية عذاباً غير متناهي، أوسار بالطاعة المتناهية، وأما غير منتاهي لما كان منا إلا الطاعة، ولم يكن منا بحال معصية، فقطع الله تبارك هذه الحجج كلها نبعث الرسل وبالله التوفيق.
(فصل)
ثم إذا تأملنا ما في السماء والأرض من أصناف الخلائق، وجدنا في وقوع ما وقع لنابه من العلم ما يدل على الرسل، كما وجدنا فيها أنفسنا وتصاريف أحوالها ما يدل على الباري جل ثناؤه.
وذلك أنا نعلم أن الكواكب التي نراها بأبصارنا، لا يمكن الوقوف بالنظر إليها على أن منها بروجاً، وكل برج إنما يتم بكذا وكذا كوكبه منها وأنها أثنا عشر، لا أقل منها ولا أكثر.
وأن منها كواكب ثابتة وعددها كذا، منها سيارة وعددها كذا، وإن مقادير أجرامها كذا وكذا، وإن أبعادها كذا وكذا، وإن لكل نجم من النجوم السيارة فلكاً على الانفراد.
فإن عقل عاقل منها إذا لم يسمع بشيء ما يقوله أهل العلم بهبة السماء، والكواكب في هذه الأبواب.
ثم أعمل فكره في إدراك عملها، وعلم شيء منها لم يزد منه إلا بعداً، ولم يصل إليه أبداً أبداً، إلا أن يسمع فيه من عالم شيئاً ويستدل أصلاً، فعسى أن يتبع بعد الآن، ينبئ خبره ويتدرج منه إلى ما سواه.
فدل ذلك على أن الأوائل لم تقل جميع ما قالته في هذه الأبواب بازائها من قبل أنفسها، وإنما أدركت الأصول حيناً، ثم قاست بعقولها عليه غيره.
واستنبط بها ما سواه.