وفي قول المرأتين: {لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} قدر من المبادئ فخروجهما من البيت سببه أن الأب شيخ كبير ، ومع أنهما في ضرورة وخرجتا للعمل فلم تنس واحدة منهما أنها أنثى يجب أن تُحترم أنوثتها فقالتا: {لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء} أي أنهما ستسقيان من بعد أن يذهب الزحام من الرجال حول البئر . إذن فقد أخذت بنتا شعيب الضرورة في حجمها ولم تتخذ إحداهما من الضرورة حجة لإهدار الأنوثة والتزاحم للوصول إلى البئر . فماذا حدث من موسى؟ . {فسقى لَهُمَا} .
تلك الهمة الإيمانية التي وُجدت في موسى قبل أن يصير رسولاً ، وذلك ما يوضحه لنا الحق حتى لا يقول إنسان: كيف أكون مثل رسول من عند الله؟ .
كأن الهمة الإيمانية التي وصَفتها تلك اللقطة القصصية توقظ مسئولية كل مؤمن ليسلك مثل هذه السلوك . فعندما يرى امرأةً قد خرجت عن محيط بيتها لأي عمل ، فعليه أن يقضي لها حاجتها حتى ترجع إلى بيتها وذلك دون أن يتخذ من ذلك ذريعة ووسيلة إلى أمر ينزل بهمته وينال من مروءته .
ولو انتشرت بيننا تلك الهمة الإيمانية لما وجدنا امرأة في الطريق إلا للضرورة . لقد أوضحت لنا تلك اللقطة القصصية حرص المرأة على موضعها وموقعها من الستر ، فتقول واحدة من المرأتين لأبيها شعيب بعد أن استقدمه ليجزيه أجر ما سقى لهما: {ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26]
كأن المرأة لا يحل لها أن تتحرك في الكون هذا اللون من الحركة الواسعة ، ويسمع شعيب وهو الرجل العاقل لابنته فكيف يستأجر رجلاً وعنده ابنتان ، فيفكر شعيب ويعثر على الحل الصحيح بفطنة إيمانية ، فيستدعي موسى ويقول له: {قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27]
وفي مثل هذه الحالة سيكون موسى متزوجاً بواحدة ومُحَرَّماً على الأخرى .