هذا إعلام بخفاء من الله للنحل . فقد جعل الله في تكوينها الغرزي ما يؤدي إلى ذلك . وهناك فرق بين التكوين الغرزي والتكوين الاختياري ؛ فالتكوين الغرزي يسير بنظام آلي لا يعدل عنه ، أما التكوين الاختياري فيصح أن يعدل عنه .
ومثال آخر علىلآلية نجد الحاسب الآلي المسمى العقلي الإلكتروني ويقوم الإنسان بتخزين المعلومات فيه ، وهذا الحاسب الآلي لا يستطيع أن يقول لواضع المعلومات فيه: لا تقل هذه الحقيقة ، ولا يستطيع أن يمتنع عن إعطاء ما فيه لمن يطلب هذه المعلومات إن كان يعرف كيفية استدعائها .
فلا اختيار للحاسب الآلي .
ويختلف الوضع في العقل البشري الذي يتميز بالقدرة على انتقاء المعلومات ويعرف كيف يدلي بهذه المعلومات حسب المواقف المختلفة ، ويتحكم بوعي فيما يجب أن يُستر وفيما لا يجب ستره ، بل إن العقل البشري قد يكذب ويلون المعلومات . وهو قادر على تغيير الحقائق والتحكم فيها ، بينما الحاسب الآلي المسمى بعقل إليكتروني لا يقدر على ذلك ؛ لأنه يدلي بالمعلومات حسب ما تم"برمجته"به وتخزينه ووضعه فيه ، وهكذا يرتقي الإنسان في الفكر .
والحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ، أعطى لكل كائن الغرائز التكوينية التي تناسبه أعطى الإنسان القدرة على الاختيار بين البديلات ، أما بقية الكائنات فقد أخذت حكم الغريزة . والكائن الذي يسير بحكم الغريزة لا اختيار له ، ولذلك تسير كل أموره مستقيمة بناموس ثابت .
ونرى هذا الأمر بوضوح في حكم قهر السماوات والأرض والكواكب التي لا اختيار لها ؛ فهي تسير حسب القوانين التي وضعها الله لها ، وكذلك النبات . فالإنسان قد يزرع شجرة فتنمو بالتسخير الغرسي الذي وضعه الله فيها ، وتمتد الشعيرات من الجذور في باطن الأرض ؛ لتمتص - بتسخير الله لها - بعض العناصر المحددة في التربة ، وينتفع نبات ما بمادة معينة قد لا تصلح لنبات آخر .