لم يقل الأثر الصالح"لا تسمع إلا قيلة"لأن الإنسان لا يستطيع أن يصم أذنيه عما يدور حوله ، لكنه يستطيع ألا يتسمّع بألاّ يلقي بأذنيه إلى ما يقال . إذن فقد جعل الحق التكليف في مقدور اختيارات المسلم ولذلك قال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]
واستخدم هنا كلمة"رأيت"لأن المسلم لا يملك شيئاً يسد به أذنيه حتى لا يسمع حديث الذين يخوضون في آيات الله ، لكن أمر الله الذين يسمعون ذلك أن يسيروا بعيداً معرضين عن هؤلاء الخائضين . وسبحانه يوضح لنا ما خفي عنا ، وكل شيء في الكون وإن كان ظاهره أنه"يفعل"، لكنه في الحقيقة هو مقهور لما ينفعل لمرادات الله بأمر الله . ولذلك يقول العارفون بالله: من جميل إحسانه إليك أن فعل ونسب إليك .
فسبحانه وتعالى الذي يفعل كل شيء ، وليس على الإنسان إلا توجيه الآلة الفاعلة . ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان حين يكون قوياً لا يمكنه أن يعطي قوته لضعيف ، فلا أحد منا يقول لضعيف: خذ قدراً من قوتي لتساعدك على التحمل ، بينما يوضح الله للضعيف عملياً: تعال إلي أعطك من مطلق قدرتي قدراً من القوة لتفعل .
إذن القوة في المخلوق لا يعطيها أبداً لمثله ، بل يعطي أثرها . مثال ذلك عندما لا يستطيع شخص أن يحمل شيئاً ثقيلاً ، فيأتي آخر قَويّ ليحمله عنه ، والقوي بفعله إنما يعدي أثر قوته للضعيف ، لكنه لا يستطيع أن ينقل قوته إلى ذات الضعيف ليحمل الشيء الثقيل .
والله لا يعدي أثر قوته فحسب ولكنه يمنح ويعطي قوة إلى كل ضعيف يلجأ إليه وإلى كل قوي أيضاً . وسبحانه يتفضل بالغنى والسعة لكل غني وفقير وبرحمته إلى كل رحيم ، وبقدرته لكل قادر ، وبحكمته لكل حكيم . إذن فكل هذه مستمدات من الحق سبحانه وتعالى . هذا هو كلامنا في"إنَّا".