فألسنتهم مستقيمة تنطق بالألفاظ وتركيبات اللغة العربية، من غير حاجة إلى معرفة القواعد التي تم اكتشافها لاحقا. وكان المُعوَّل عليه في قراءة القرآن هو التلقي والسماع والحفظ غيبا، فلم تكن هناك حاجة إلى النقط والتشكيل. [1]
وهناك نقاش حول ما إذا كانت النقط أو علامات التشكيل معروفة أو غير معروفة، عند نسخ القرآن لتعميمه، في عهد الخليفة الراشد عثمان، والأرجح أنها لم تكن موجودة، عند نسخه. فقد أبدعها أبو الأسود الدؤلي، الذي عاش 53 عاما، ومات عام 69 للهجرة. وتم ذلك في عهد الخليفة الراشد علي ابن أبي طالب الذي مات عام 40 للهجرة. وهناك قول بأن التنقيط حصل في عهد عبد الملك ابن مروان الذي تولى الحكم عام 65 للهجرة، حيث أمر الحجاج بالعناية بهذا الموضوع، فندب الحجاج لهذه المهمة اثنين هما: نصر ابن عاصم الليثي، ويحيى ابن يعمر العدواني. ويبدو أن هذه العملية قد بدأت في عهد الخليفة الراشد الرابع، وأخذت صورتها النهائية في عهد عبد الملك، الخليفة الأموي الخامس. [2]
وسواء أكانت كتابة القرآن بدون النقط والتشكيل اختيارا أو اضطرارا، فقد وفرّت هذه الكتابة الفرصة لاستيعاب جزء كبير من القراءات المختلفة المعتمدة. [3] وهذا مما يؤكد أن اختلاف القراءات ليس له تأثير هام في معاني القرآن الكريم.
وهنا نلاحظ أن التواتر قد توفّر للقرآن الكريم ولقراءاته عند جمعه في مجلد واحد، وشاءت إرادة الله أن تكون الأحرف العربية، وقتها، غير منقوطة لتفرق مثلا، بين: الباء والتاء والياء، والنون وغير مُشكَّلّة، لتحدد إعراب بعض الأسماء والأفعال القابلة للتعدد، بدون تغيير للمعنى الأساس للكلمة أو العبارة أو الجملة. ثم بدأت الكتابة بالعربية في التطور، في نهاية الخلافة الراشدة، فظهرت النقط والتشكيل على الأحرف، وأصبح من المتيسر قراءة القرآن المكتوب لمن لا يعرف العربية، ولكن يعرف أحرفها وعلامات تجويد القراءة. [4]
قدِم حُذيْفَةَ بن اليَمَانِ على عثْمَانَ، وكان يغَازِي أَهلَ الشام في فَتحِ إرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبيجَانَ مع أَهلِ الْعرَاقِ فَأَفزَعَ حذَيْفَةَ اخْتِلَافهُمْ في الْقرَاءَةِ. فقال حذَيْفَةُ لِعثْمَانَ يا أَميرَ الْمؤْمِنِينَ أَدْركْ هذه الْأمَّةَ قبل أنْ يَخْتَلِفوا في الْكتَابِ اخْتلَافَ الْيَهودِ والنَّصَارَى. فَأَرسَلَ عثْمَانُ إلى حَفصَةَ أنْ أَرْسلِي إلَيْنَا بِالصّحُفِ نَنْسَخهَا في الْمَصَاحفِ ثمَّ نَردُّهَا إلَيْكِ. فَأَرسَلَتْ بها حَفصَةُ إلى عثْمَانَ فأَمَرَ زَيدَ بن ثَابتٍ وَعَبدَ اللّهِ بن الزّبَيْرِ وَسَعيدَ بن العَاصِ وَعَبدَ الرحمن بن الْحَارثِ بن هشَامٍ فَنَسَخوهَا في الْمَصَاحفِ، وقال عثْمَانُ للرَّهْطِ الْقرَشِيِّينَ الثّلَاثَةِ إذا اخْتَلَفْتمْ أَنْتمْ وَزَيدُ بن ثَابتٍ في شَيءٍ من الْقرْآنِ فَاكْتبُوهُ بلِسَانِ قرَيْشٍ فَإنَّمَا نزَلَ بلِسَانِهِمْ. فَفَعَلوا حتى إذا نَسَخوا الصّحُفَ في الْمَصَاحفِ ردَّ عثْمَانُ
(1) مجهول - http://www.nytimes.com/2015/07/23/world/europe/quran-fragments-university-birmingham.html?_r=0
(2) الزرقاني، مناهل ص ج 1: 259 - 263.
(3) ابن الجزري، النشر ج 1: 31؛ نقط المصاحف جزء 1 صفحة 2؛ شاهين، كتاب تاريخ القرآن ص 105 -
115؛ الصغير، تاريخ القرآن الكريم، الفصل الخامس.
(4) شاهين، كتاب تاريخ القرآن، الفصل الخامس، السيوطي، الإتقان ج 2: 166 - 173.