فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 184

رابعا - التنبه إلى أن مصدر التفسير قد لا يكون واحدا بصفة دائمة، فقد تتضافر الأدلة المتنوعة، من مصادر مختلفة، على تفسير واحد، وقد تتعارض الأدلة فيحتاج إلى الترجيح.

لقد شاء اللهُ تعالى أن تكون رسالتُه الخاتمة إلى البشريَّة باللُّغة العربيَّة، وروي عن مجاهد- رحمه الله- أنَّه قال:"لا يحلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب" [1] قد تعوّد على استعمالها لكسب المعرفة أو للتعبير عنها. وهي تختلف عن الفطرة لأنها مكتسبة، رغم كون جذورها، فطرية، أي القدرة على نطق الأصوات بطريقة متسقة. فالأصل أن العربي المتمكن من لغته يفهم معظم المحتويات الأولية للقرآن الكريم بطريقة تلقائية وبدرجة تتفاوت مع ثقافته اللغوية وثقافته العامة.

فالأسلوب القرآني كما يقول الطريفي"يذكر الحق بالأدلة الموصولة إليه لذوي الفطر السليمة لأن هذا هو الأصل في الخلق، ثم إذا صودف معاند ومكابر أو جاهل، كان جداله بحسب ما تقتضيه المصلحة."و"كثير من تفاسير المتأخرين التي يحفل الخاصة، لو عرضت على العرب، عند نزول القرآن، لزهدوا فيه، فكثير مما فيها يعدونه لكْنةً وعِيّا، لا يُحتاج إليه، ويرونه من توضيح الواضحات."ف"القرآن تفهم معانيه بمجرد سماعه، وما ند عن الفهم مما يسأل عنه - موكول إلى لغتهم التي نزل بها القرآن. [2] "

واللغة كائن حي، وتنمو مفرداتها بصورة مستمرة، ولاسيما في عصرنا الحاضر، وتختلف كثافة استعمالها بحسب طبيعة التعامل اليومي للإنسان المحدد، وعادته في الاطلاع على المكتوب والمسموع. ولهذا هناك حاجة إلى الاستعانة بمعاجم اللغة، أحيانا، لفهم تفاصيل النصوص التي تستخدم مفردات قديمة، أو حديثة.

ويقوم المصدر اللغوي بوظيفتين: المساهمة في فهم النصوص، والمساهمة في التعبير عن المعرفة. وكلاهما ذو أهمية بالغة. لهذا على المفسر أن يقرأ النصوص التي يتعامل معها قراءة متمعنة، مستعينا بلغته العربية الجيدة، إضافة إلى عقله اليقظ، وجهود المفسرين للقرآن الكريم. فهناك ضرورة للتقيد بالنص، وعدم تجاوزه وإطلاق مدلوله، دون زيادة تقيدها أو توسع معناها فيتداخل معناها مع معاني كلمات أخرى، وإن كان جزئيا.

ومثال الفهم الخاطئ فهم أحدهم أن قوله تعالى {ومن شهد منكم الشهر فليصمه} بأنها تعني"رأى". وهو خطأ يمكن إدراكه بالحس، في هذا السياق، فشهر رمضان ليس شيئا محسوسا، يمكن رؤيته بالعين.

وفهم أحدهم كلمة"النسيء"في الآية التالية بأنها تعني التأجيل مطلقا، أي تحريم جميع أشكال النسيء فحرّم تأخير شهر رمضان، وإن كان خطأ أو بسبب الشك. يقول تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا

(1) المنجد ص 68؛ الزركشي، البرهان في علوم القرآن ج 1: 292.

(2) الطريفي، التقرير ص 18 - 20، 34 - 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت