فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 184

من يحدد ذلك؟ إنه العقل البشري الذي ميّز الله به الإنسان الذي علمه ما لم يعلم. وهنا يبرز سؤال: أيهما أسبق من حيث الترتيب الزمني: العقل أم النقل؟

إذا علمنا بأن العقل البشري، استنادا إلى إدراكه الحسي، هو الذي يحدد مصداقية نسبة النص إلى الله ودرجته فإننا ندرك أن العقل أسبق من النقل، ولكن إذا ثبتت نسبة النص القرآني إلى الله بصورة قطعية، فلا يمكن للعقل تجاوزه، وتقتصر وظيفته على بذل الجهد في فهمه، والإيمان به كما هو. ويكفي أن نستعرض قصة نقل عرش بلقيس من اليمن إلى القدس خلال طرفة عين. وذلك لأن النقل مصدره خالق الكون الذي خلق كل شيء ويعلم كل شيء. وأما العقل البشري فهو محكوم بحواسه المحدودة التي يدرك بواسطتها الواقع ويستنتج منه. وهنا نتساءل ما هي وظيفة العقل بالنسبة لقواعد التحقق من النصوص المقدسة أو مقاييسها؟ هل هو إيجادها من العدم؟ أم اكتشافها من الطبيعة والواقع الموجود؟

عند التأمل نجد أن الله خلق كل شيء ب"كن فيكون"ويديره كذلك، وخلق شبكات من السنن الكونية تُخلق بصورة مستمرة وتدير الكون بإذنه تعالى. يقول تعالى مثلا: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} . ولا تقتصر السنن الكونية على التحكم في الأشياء المادية، كما يتبادر إلى الذهن، ولكن في السلوك البشري أيضا. فمثلا يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} . [1] فهناك سنة كونية تقضي بأن لا يَحدث تغيير في حياة الإنسان إلا أن يُحدث الإنسان تغييرا، في حدود مجال اختياره من الأسباب ذات النتائج الحتمية. [2]

وبعبارة أخرى، لا يُوجِد العقل البشري القواعد والمقاييس من العدم، ولكنه يكتشفها بدرجات متفاوتة من الإتقان. فمنها ما تصل درجة إتقانه إلى ما نسميه بالقوانين الطبيعية أو السنن الكونية. ومنها ما لا يتجاوز إتقانه ما نسميها"فرضيات"أو درجة أكثر إتقانا نسميها"نظريات". [3] وهو الغالب في مجال العلوم الإنسانية التي تتعامل مع المكونات البشرية غير المادية (غير العضوية) : التكوين الروحي، والعقلاني، والعاطفي. فالمكونات الثلاثة الأخيرة لا تخضع للتجارب العلمية الحسية المباشرة، وهي تتفاعل مع الواقع ويؤثر بعضها على بعض بطرق هي في غاية من التعقيد، يصعب رصدها والتنبؤ بنتائجها، إلا في حدود نسبية. ووظيفة العقل هي اكتشاف هذه السنن الكونية التي تتحكم في فكر الإنسان وسلوكه. فمن المعلوم أن وظيفة العقل البشري تتمثل في: [4]

1)إدراك الحقائق الجزئية والعامة (معلومات جاهزة، أو تجارب شخصية)

2)تجميعها مستقلات أو مصنفة في مجموعات،

3)حفظها أو تسجيلها،

(1) سورة الرعد: 8، 11.

(2) إسماعيل، كشف الغيوم؛ صيني، تساؤلات جدلية، الفصل الثاني.

(3) صيني، قواعد أساسية الفصل الثاني.

(4) انظر مثلا: صيني، قواعد أساسية في البحث ص 37 - 44، 79 - 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت