فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 184

المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل: قدّر الله، وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان." [1] "

وفي جميع الأحوال، لا أحد يعلم ما هو مسجل في اللوح المحفوظ. فعلى المخلوقات المكلفة أن تجتهد في حسن استغلال ما أنعم الله عليها من إمكانات وقدرات ومنها العقل وحرية الاختيار، وفي ضوء الهدى الرباني. فالمحاسبة إنما تكون على ما يبذله المخلوق المكلف من الجهد في ضوء إمكاناته، وليس على ما ينجزه من عمل.

اختلف العلماء في العلاقة بين القضاء والقدر. فهناك من فرّق بينهما، مع إثبات نوع من العلاقة بينهما [2] ومثاله نقلا عن"لسان العرب يقول الزهري:"القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عملَه أو أتم أو ختم أو أدى أداء أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضى فقد قضى. ... ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق." [3] وقد يعتبرهما البعض كلمات مترادفة. [4] "

وبمراجعة النصوص القرآنية التي تم الاستشهاد بها عند الحديث عن القضاء نجد تداخلا بين مدلول كلمة"القضاء"وبعض استعمالات كلمة"القدر"، حيث ورد مدلول القضاء ببعض مشتقات كلمة"القدر". [5] ولكن عند مراجعة قوله، صلى الله عليه وسلم:"لا يرد القضاء إلا الدعاء"، [6] وقوله:"فلو شيء يَسبق القضاء لسبقته العين" [7] ، يتأكد لدينا وجود فرق بين"القضاء"و"القدر"الذي ورد في قوله، صلى الله عليه وسلم، عند إجابته عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان وهي"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر؛ وتؤمن بالقدر خيره وشره." [8] . فالمقصود بالقدر في هذا الحديث ما تم تسجيله في الأزل من علم الله، وعلمه ثابت لا يتغير. وعلم الله مطلق ولا تخفى عليه خافية ولا يقيد علمه قيد المكان أو قيد الزمان أو قيد الحواس المحدودة. فكل شيء وكل حدث يوجد في أي مكان أو زمان بالنسبة لعلمه حاضر. والعلم أيضا ليس شيئا ينزل أو يصدر فيَسبق أو يُسبق. وهذا بخلاف القضاء أو الحكم ونتيجته الحتمية فقد يرد الدعاء النتيجة الحتمية للسنة الكونية، ويَسبق أو يُمكن أن يقال عنه أنه يحتمل أن يُسبق.

(1) مسلم: القدر، في الأمر بالقوة؛ وانظر ابن تيمية، مجموع ج 8: 177 - 178؛ ابن القيم ص 18.

(2) درويش ص 26 - 40.

(3) ابن منظور: باب قضي.

(4) انظر الترمذي، القدر، يعنون لحديث"لايرد القضاء إلا الدعاء"ب"لايرد القدر ..."؛ المحمود ص 29.

(5) القمر: 49؛ الرعد: 8؛ وانظر الحواشي: 73 - 77.

(6) الترمذي: أبواب القدر، باب 6؛ وقد اعتبره حسنا غريبا وصحح ابن حبان والحاكم إسناده وانظر

المباركفوري ج 6: 290.

(7) ابن قيم الجوزية، الطب النبوي ونسبه إلى النسائي والترمذي وورد في الترمذي بلفظ"القدر"في أبواب

القدر؛ وانظر"إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيرا له."أحمد: ج 3: 117، 184.

(8) مسلم: الايمان، بيان الايمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت