بعض التعبيرات التي وردت في القرآن الكريم لوصف العلاقة بين الخالق والمخلوق قد لا تصلح حتى في العربية لوصف العلاقة بين المخلوق والمخلوق، مثل: {وما لأحد عنده من نعمة تُجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} . [1] فليس من المألوف أن يقول الإنسان لإنسان آخر"عملت هذا ابتغاء وجهك".
ومن التعبيرات المميزة في القرآن الكريم أو الثقافة العربية بعامة {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة} و {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} و {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} . وتعني الآية إذا أراد الله أن يهدي أحدا. وهذا لا يتعارض مع أن الإنسان قد يختار الهداية بنفسه ابتداء، مستعملا حرية الاختيار والعقل والهداية الفطرية أو المُنزلة على رسله. ومثاله أيضا قوله تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا} وقوله تعالى: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم} . [2] وهذه حقيقة عملية يفعلها الناس بمختلف لغاتهم، حيث يسدون آذانهم عند سماع ما لا يحبون. [3] ومنها أيضا قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} ، [4] {كل شيء هالك إلا وجهه} . [5]
ومن هذه التعبيرات القَسَم بالمخلوقات مثل القسم بالشمس والقمر والنهار ... ففي الوقت الذي لا يجوز فيه للمخلوق الحلف بالمخلوق فإن لله سبحانه وتعالى أن يقسم بما يشاء. ولهذا ينبغي للمفسر أن يبرز هذه الخصوصية في تفسيره وينبه إليها حتى لا يعتقد غير المسلم جواز ذلك في الإسلام.
مما يتميز به القرآن الكريم هو ذلك الإيجاز الشديد لتعاليم دينية تحتاج إلى السنة لتوضيحها، وإلى جهود العلماء لتفسيرها. وبعبارة أخرى، قد تستغرق الآية الواحدة أبحاثا ومناقشات تملأ مجلدا كاملا.
ومثال النصوص شديدة الإيجاز تلك الآيات التي تكشف النقاب عن أسرار كونية، تتعلق بخلق الإنسان، وأصل الكرة الأرضية، ووظيفة الجبال، ووظيفة السماء، وهيئة قيعان المحيطات العميقة، وكون مركز الإحساس عند الإنسان الجلد ... [6]
فعن مراحل خلق الإنسان يقول تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} . [7]
(1) سورة الليل: 20.
(2) البقرة:7؛ البقرة: 187؛ الأنعام: 125؛ القصص: 10؛ نوح: 7.
(3) الجمهور، والبطل ص 7 - 11.
(4) سورة الفتح: 10.
(5) سورة القصص: 88.
(6) انظر مثلا: ِ Al-Rehaili؛ Bucaille؛ El-Kirdany؛ نجم
(7) سورة الحج: 5.