هناك نماذج تم استعراضها في الفصل الرابع، ولكن لعل أكثرها إيلاما للمسلم وللمسلمة تصديق بعض العلماء أو افتراض احتمال حدوث حكاية الغرانيق.
ينسب إلى ابن عباس القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم،"كان بمكة فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} فجرى على لسانه:"تلك الغرانيق العلا الشفاعة منها ترتجى". قال: فسمع ذلك مشركوا أهل مكة فسروا بذلك فاشتد على رسول الله - فأنزل الله - تبارك وتعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} . [1] "
والحديث من حيث السند لم يرد إلا في مسند البزار، منقطعا عند سعيد ابن جبير، ومرسلا عند ابن عباس الذي لم يولد بعدُ عند وقوع الحادثة المزعومة، [2] ولم يرد الحديث في غيره من كتب الحديث، ولكن في كتب التفسير بدون أسانيد كاملة، ويذكر في كتب التاريخ والأدب.
ومن حيث المتن فإن إحدى الروايات تضم عددا من الأحداث يستحيل على راو واحد أن يحضرها جميعها. فهذه الرواية تقول"بأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى من قومه كفا عنه. فجلس خاليا فتمنى فقال: ليته لا ينزل عليّ شيء ينفرهم عني. وقارب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قومه ودنا منهم ودنوا منه. فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم {والنجم إذا هوى} حتى إذا بلغ {أرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} ألقى الشيطان كلمتين على لسانه:"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى". فتكلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود ويقال إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابا فسجد عليه رفعه إلى جبهته وكان شيخا كبيرا. فبعض الناس يقول إنما الذي رفع التراب الوليد، وبعضهم يقول أبو أحيحة، وبعضهم يقول كلاهما جميعا فعل ذلك. فرضوا بما تكلم به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك. فكبر ذلك على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قولهم حتى جلس في البيت. فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه [3] "
(1) مسند البزار جزء 11 صفحة 296 - 297.
(2) العرف الشذي جزء 2 صفحة 70؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء.
(3) الطبقات الكبرى جزء 1 صفحة 205.