فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 184

وينسب إلى قتادة قوله قرأ النبي، صلى الله عليه وسلم، فغفى ونعس، فقال:"أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنها ترتجى وإنها الغرانيق العلى"، فوقرت في قلوب المشركين فسجدوا معه أجمعون وأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ... } [1]

وبهذا يظهر أن نصوص القصة مضطربة وعليها ملاحظات متعددة، منها:

أولا - وردت قصة السجود عند قراءة النبي لسورة {والنجم} ، ولكن بدون قصة الغرانيق والزيادات الموضوعة في بعض الروايات. ومنها"عن عبد اللّهِ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرَأَ سُورةَ النّجْمِ فسَجَدَ بها فما بَقيَ أحَدٌ من الْقوْمِ إلا سجَدَ فأَخَذَ رجُلٌ من القَوْمِ كفًّا من حصًى أو تُرابٍ فرَفَعَهُ إلى وَجهِهِ وقال يَكفِينِي هذا فلَقَدْ رَأَيتُهُ بَعدُ قتِلَ كافِرًا". ومنها"عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سجَدَ بِالنَّجمِ وسَجَدَ معه المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ ورَوَاهُ بن طَهمَانَ عن أيُّوبَ [2] و"عن جعْفَرِ بن الْمُطَّلبِ بن أبي ودَاعَةَ عن أبيه قال قرَأَ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم بمَكَّةَ سُورةَ النّجْمِ فسَجَدَ وسَجَدَ من عنْدَهُ فرَفَعْتُ رَأْسي وأَبَيْتُ أنْ أسْجُدَ ولم يكُنْ يَوْمَئذٍ أسْلَمَ الْمُطَّلبُ". [3] "

ثانيا - القصة المختلقة تقول بأن الإضافة كانت بعد قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} . فنزل قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [4]

والآيتان ليس فيهما أي إشارة بأن شيئا من هذا قد حدث لتكون الآية تعليقا عليه، ولكن جاء بصيغة تأكيد بأنه لو حصل فإن الله سيفعل كذا وكذا. وهو تعبير يستخدمه البشر، ليعني أنها قضية افتراضية، مثل قولنا"جربني ستجد ما يسرك". وهو يختلف عن القول"سبق أن جربتني فوجدت ما يسرك". وبدون الاطلاع على القصة المختلقة فإن هذا هو أول فهم يخطر في الذهن للآيتين. فهي حالة افتراضية.

ثالثا - يقول ابن تيمية إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والعقل والإجماع وهي العصمة في التبليغ، [5] أي أن العصمة في التبليغ ثابتة للأنبياء. وقصة الغرانيق المشكوك في صحتها لا تقارع هذه الحقيقة من حيث درجة قوتها. كما أن احتمال خطأ النبي في التبليغ وفي كلام الله تُعدّ تهمة للخالق الذي اختاره رسولا. فالأنبياء معصومون فيما يبلغونه وفي تطبيق ما يعلمونه الناس. ويكفي أن يسأل العاقل نفسه، لو علمت أن هناك احتمالا بأن رسولك سيحرف ما تطلب منه ليبلغه عنك، هل تختاره رسولا؟ والله محيط بكل شيء، فهل يختار من هو غير معصوم في التبليغ؟

(1) معاني القرآن جزء 4 صفحة 426.

(2) البخاري، صحيح البخاري جزء 1 صفحة 364.

(3) النسائي، سنن (المجتبى) جزء 2 صفحة 160.

(4) النجم: 19 - 20؛ الحج:52 - 54.

(5) ابن تيمية، فتاوى، تحقيق الجدي ج 10:295، 289؛ وآخرون في عبد الرحيم ص 261 - 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت