وبهذا يتضح من النقاش السابق أن السبب الموجب للجهاد يقتصر على وقوع الاعتداء الفعلي على المسلمين وإن كانوا يعيشون في دولة أخرى، أو لأن الأعداء يتجهزون للاعتداء على المسلمين، أو لابتداء الآخرين بمحاربة الإسلام والمسلمين بالأساليب المختلفة. وبهذا نخرج بتصنيف للمخلوقات المكلفة مغاير للتصنيف الذي قال به ابن القيم.
أما بالنسبة للإسلام فالأصل فيه هو الحياد، ولكن لا يمنع الإسلام من نصرة غير المسلمين أو الدولة غير الإسلامية المظلومة من قبل دولة غير إسلامية أخرى وقد يحث عليها. بيد أن الأمر محكوم بالظروف، مثل المعاهدات والموازنة بين المصلحة والمخاطر. [1]
وقد يتصور المسلم المتحمس أن في هذا القول تمييعا للجهاد، ولكن من يتأمل في ماضينا القريب وحاضرنا يجد أن المسلمين ما يزالون يتعرضون لأشكال الظلم المختلفة جماعات وفرادى. فأين المجاهدون من المسلمين لرفع ظلم واقع بالمسلمين، قبل استعداء المحايدين من غير المسلمين بدون أدلة كافية؟ وهل الجهاد مقتصر على القتال بالسلاح. إن الجهاد لا يقتصر على خوض المعركة التي ينتهي فيها الخاسر بالوضع في معسكرات للأسرى. ولكن الجهاد يشمل كل ما يدفع عن الإسلام وأهله الظلم، ومنه الجهاد بفن التعامل الدبلوماسي وبفن العلاقات العامة. ومن الجهاد خوض معركة علم الكفاية اللازم لتحرير المسلمين من أغلال الاستعمار الفكري والمادي. فأين الذين يبذلون الجهد والوقت والمال بسخاء وبإخلاص لتحصيل العلم والمهارات اللازمة للحصول على الاستقلال النسبي ولتعليمه ولتنميته. وذلك بدلا من ضياع هذه المصادر الشحيحة أو الوفيرة التي أنعم الله بها علينا بدون تعب في الحصول على مزيد من المتع الدنيوية التي ينتجها غير المسلمين والسعي وراء المكاسب المادية والمعنوية السريعة المؤقتة.
ومن جهة أخرى إن الجهاد لا يقتصر على جهاد الكافرين بالقتال ولكن الجهاد أنواع ودرجات. ويقول ابن القيم"ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ..."كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له. فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لن يمكنه جهاد عدوه في الخارج." [2]
ولو تأملنا في حالة السلام والحرب لوجدنا أن حالة السلام هي التي تحقق الخير للبشرية جمعاء، حتى من منظور الإسلام. فصلح الحديبية بشروطه وملابساته كان خيرا للإسلام من حالة الحرب مع قريش، كما يؤكد ذلك جُل الذين علقوا على هذا الصلح. [3]
تتركز أدلة القائلين بنسخ هذه القاعدة العامة في آيتين هما [4] : الآية الخامسة من سورة التوبة والتي تسمى آية السيف، والآية التاسعة والعشرين التي تسمى آية القتال، وذلك باعتبارهما عامتين وناسختين لما يتعارض معهما من
(1) انظر مثلا الطريقي ص 243 - 254 وما سبق إيراده.
(2) ابن القيم، زاد ج 3: 6 وانظر الصفحات 5 - 9.
(3) انظر مثلا: ابن القيم، زاد ج 3: 309 - 310؛ والندوي ص 280 - 283؛ مولوي ص 23 - 31.
(4) انظر مثلا ابن الجوزي، المصفى ص 19 - 60.