وكل شيء سواء أكان سببا في سنة كونية أم نتيجة هو من صنع الله: المخلوقات المكلفة، والحيوانات والنباتات والجمادات ... والمواد والقدرات البشرية المختلفة التي يتكون منها الإنسان: الروحية والفكرية والعاطفية والعضوية، كلها من خلق الله. وحتى حرية الاختيار التي يستخدمها الإنسان للاختيار مما خيره الله فيها (الأشياء المادية، والقدرات، والسنن الكونية) هي من صنع الله ... [1] فالمخلوق المكلف عندما يتخير سنة كونية أو مجموعة منها، فهو إنما يتخير سببا أو مجموعة من الأسباب ذات نتائج حتمية، خلقها الله.
وبهذا فإن الله عز وجل يخلق بواسطة الأمر المباشر، ويخلق بواسطة شبكة الأنظمة التلقائية المؤسسة على شبكة من السنن الكونية التي خلقها. وبهما يبدع الخالق المزيد من المخلوقات ويدبر شئون الكون كله.
إن الحقائق السابقة تؤكد أن الله فعال لما يريد، وقادر على أن يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء. فهو سبحانه وتعالى يختص برحمته من يشاء وليس في ذلك ظلم لأحد، وقادر على أن يهدي من يشاء، وقادر على أن يضل من يشاء. [2] ولكن هذه القدرة المطلقة والهيمنة الكاملة على ما يجري في الكون لا تقتضي أنه سيظلم أحدا فهو ليس بظلام للعبيد. [3]
فالله هو خالق الكون وما فيه من جمادات ونباتات وحيوانات ومخلوقات مكلفة وحركاتها وسكناتها، والسنن الكونية التي تحكمها وتسيرها بطريقة تلقائية، وجميع الصور المحتملة لاستخداماتها، خلقها وأوجدها من العدم. والله هو الذي خلق ما تتميّز به المخلوقات المكلفة من عقل وهداية، وحرية اختيار. فهو الذي خلق كل شيء بما في ذلك ما يعملونه حيث يقول تعالى: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء.} [4] وقوله تعالى على لسان إبراهيم وهو يحاج قومه: { ... قال أتعبدون ماتنحتون. والله خلقكم وما تعملون} . [5]
فكل شيء وكل حدث، وكل فعل صغير أو كبير للعبد هو من خلق الله سبحانه وتعالى. فالله هو الذي خلق للعبد الأعضاء والقدرة على تحريكها بطرق مختلفة، والقدرة على تسخيرها لأغراض مختلفة. والله هو الذي خلق للعبد مجموعة من التكوينات العاطفية: الفرح والحزن والغضب ... والله هو الذي خلق للإنسان القدرة على التفكير، والقدرة على التعبير عن مشاعره وأفكاره. وبعبارة أخرى فإن المخلوق نفسه وجميع قدراته من خلق الله. فالأمر كما ورد في قول الإمام أبي حنيفة:"فلما كان الفاعل مخلوقا فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة." [6]
ولعل المثال الذي ضربه"دسوقي"يوضح طبيعة مساهمة الإنسان في الأفعال التي تنسب إليه. فالإنسان في مثاله يشبه الصيدلي أو الكيماوي الذي ينتقي عددا من المواد الكيماوية الجاهزة، ويأخذ منها مقادير محددة، ثم يمزجها
(1) ابن القيم ص 146؛ السعدي، العقيدة ص 151 - 152؛ البخاري، خلق أفعال العباد: أفعال العباد.
(2) جميع آيات المشيئة تندرج تحت هذا المعنى. وانظر مثلا الآيات: البقرة: 105، 220، 247، 253، 27؛
وانظر ابن تيمية، مجموع 8: 499 - 500.
(3) أنظر مثلا: النساء: 40؛ يونس: 44؛ الكهف: 49؛ آا عمران: 182؛ الأنفال:51؛ الحج:10
(4) الأنعام: 101؛ وانظر الفرقان: 2.
(5) الصافات: 95 - 96؛ بعض المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود"بما تعملون"هي الأصنام التي ينحتونها
فقط؛ وانظر لهذا التفسير مثلا ابن عثيمين، مجموع ص 193 - 195.
(6) أبو حنيفة ص 45.