2 -تجارب متعددة: ان سورة يوسف حافلة بالأساليب العاطفية العملية. فالقرآن الكريم يروي لنا قصة النبي يوسف عليه السلام واخوته: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} . [1]
ويتآمر الاخوة على التخلص من أخيهم فيلقوه في بئر، وتأبى عناية الله إلا فساد ما خططوا له فتنقذه قافلة من القوافل المسافرة إلى مصر. فيباع فيها وتتم تربيته في بيت مسؤول كبير، ويمر بتجارب عديدة تنتهي به إلى أن يحتل منصبا كبيرا. ثم يحتاج اخوته إليه فيعمل على الحصول على شقيقه؛ ويكون له ذلك. فيذكرهم يوسف بما فعلوه معه وأخيه فيعرفوه ويروي لنا القرآن حين: {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} . [2]
فهذه تجربة ليوسف عليه السلام انتهت بنواله مكافأة صبره وتقواه. وهي أيضا تجربة لاخوة يوسف انتهت بإدراكهم للخطأ الذي وقعوا فيه واعترفوا بذلك توبة منهم.
يبدو أن معظم الأساليب التي تم استعراضها فيما تقدم تقع في نطاق القدرات البشرية مع أن درجة الإتقان تتفاوت بين البشر- وحتما- لا تصل إلى المستوى القرآني. ولكن نظرا لقدرة الله عز وجل التي تفرد بها فان بعض الأساليب وما يسندها من خوارق تقع خارج نطاق القدرة البشرية أو ليس في إمكان الإنسان الإتيان بمثلها. ومن ذلك العلم اليقيني بالماضي والحاضر والمستقبل، والمعجزات.
ويلاحظ أن الأساليب الفريدة كلها أساليب عملية، وليست قولية. وهي تنقسم إلى نوعين: نوع يندرج تحت الأسلوب العقلي لأنه يخاطب العقل أكثر، ونوع يندرج تحت الأسلوب العاطفي لأنه يخاطب العاطفة أكثر.
أساليب فريدة عقلية:
ومن الأمثلة على هذه الأساليب ما يلي:
1 -العلم اليقيني بالماضي: وهنا يبرز العلم الإلهي المتميز، حيث لا يقيده قيد الزمان أو قيد المكان أو الوسائل المحدودة للمعرفة. فكل شيء في علم الله حاضر.
وهو بخلاف العلم البشري المحدود بقيد الزمان والمكان والوسائل المحدودة للمعرفة. فالإنسان لا يدرك إدراك يقين إلا جزءا يسيرا من حاضره، أما أحداث الماضي فهي صور باهتة، وأما أحداث المستقبل والأحداث المحتملة فلا يزال في عالم المجهول.
ومثال ذلك العلم اليقيني بالماضي ما ورد من تعليق على الجدل بين اليهود والنصارى حول ما إذا كان إبراهيم عليه السلام يهوديا أو نصرانيا. فاليهود يدعون بأن التوراة والزبور هما وحدهما يمثلان دين الله، وينكرون ما جاء به عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم فيقول عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ
(1) يوسف: 8 - 9.
(2) يوسف: 90 - 91.