والملاحظ أن النصوص التشريعية قطعية الثبوت، مثل القرآن الكريم، تركز على القواعد العامة، كالتأكيد على طاعة الله فيما أمر به ونهى عنه، والعدل وتحريم الظلم وإباحة البيع وتحريم الربا، وجعل الزواج الصيغة الوحيدة للتعاون الأكمل المشروع بين الذكور والإناث ...
كما يلاحظ أن القواعد الأساسية أو محاور هذه التشريعات ترتكز على المكونات الفطرية الأساسية للمخلوق المكلف، مثل العنصر الروحي والعقلي والنفسي والعضوي، وطبائعها الأساسية واحتياجاتها الأساسية الثابتة.
قد يقرأ القرآن الكريم المسلم وغير المسلم للمتعة أو للتعلم والاطلاع على ما فيه من قصص الأولين وأخبار ما قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام، وجرى من أحداث وهو يتنزل، وما بعد الممات، وفي الآخرة، وما فيها من معارف تتصل بالإنسان أو الكون. وهي قراءة إذا قام بها المسلم له فيها أجر التعبد بحسب نيته، وذلك إضافة إلى الفائدة الدنيوية.
ومن يتأمل ما ورد من أخبار في القرآن الكريم، يدرك معنى قوله تعالى الذي ينتهي عند: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [1] فهي تغطي أخبار جميع أصناف الأشياء المدركة حسا أو يمكن إدراكها بالملاحظة، في حالة السكون، وفي حالة الحركة القابلة للمتابعة، مثل نمو الإنسان، والحيوانات والنباتات، وحركة الشمس والقمر، والليل والنهار، وعوامل التعرية للجبال والوديان ... وهذا مع ملاحظة أن مدة النمو أو التغير تتفاوت بين المدة القصيرة جدا، مثل ثواني، والمدة الطويلة جدا، مثل قرون طويلة.
وتتنوع الأخبار من حيث كون الأشياء يمكن إدراكها بالحواس الخمس، أو بالفطرة، أو بالعقل والاستنتاج أو غير قابلة للإدراك بالحواس الخمس إلا بمعونة وسائل خارجية، مثل المناظير المقربة أو المكبرة، أو غير قابلة للإدراك في الحالات الطبيعية، مثل الملائكة والجن.
ومن زاوية أخرى، فإن الآيات الإخبارية تغطي الفترات الزمنية كلها، إذ تخبرنا عن أحداث ما قبل خلق الإنسان، وما بعد خلقه، وما يشمل الحاضر الذي كان القرآن الكريم ينزل فيه، والسنن الكونية أو الحقائق العامة والجزئية الحاضرة بصفة دائمة، أو الأحداث المستقبلية في مستوى الحياة الدنيا والآخرة. [2]
وتشغل الأخبار في القرآن الكريم ما يعادل تسعة أعشاره. وهي تتنوع بصورة مذهلة، فتغطي المخلوقات الذي خلقها الله، وهو سبحانه الأول والآخر، تجتمع فيها شمولية الإحاطة عبر الزمان والمكان.
فمنها عملية خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وحركة السحاب والمطر، وحركة الجبال، وكل شيء ينبض بالحياة، وإن بدت ثابتة أو نسميها جمادات. فهي متحركة، ولكن عبر زمان يفوق قدرة الإنسان في إدراكه بالحواس الخمس خلال عمره القصير جدا، ولكن يستخدم العلماء في اكتشافه ما يندرج تحت التنبؤ المبني على
(1) سورة الأنعام: 31 - 38.
(2) الشنقيطي، سيد، أصول الإعلام الإسلامي