تحظى -عادة- بالرواية على نطاق واسع، مثل الأحاديث النبوية؛ وهي أعمال بشرية ليست منشورة على نطاق واسع، فيسهل وضع الكثير منها وانتحالها.
وإذا طبقنا منهج المحدثين على الأحداث التاريخية، فإننا نضطر إلى إنكار وجود جل التاريخ الإسلامي. أما الأحداث التاريخية لغير المسلمين فتعد غير موجودة، إلا النزر اليسير مما ورد في الكتاب والسنة، وإن كنا نغرق في أحضان منتجاتهم. فالأحداث التاريخية هي أنشطة لبشر، ربما لم يثيروا الانتباه إلا بعد وفاتهم بسنين أو بقرون، وليست كأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وأقواله وإقراراته. فهي تحت المراقبة من أصحابه، وهي نماذج للاقتداء بها، واعتنى المحدثون بحفظها والعمل على تنقيتها بصورة مستمرة.
ومسألة التفريق بين طبيعة المادة العلمية ومنهج حفظ النصوص وتحقيقها مسألة قديمة، فقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يأمر بكتابة آيات القرآن الحكيم، ولكن كان يقول:"لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن؛ ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه". كما كان يقول بالنسبة لقصص اليهود والنصارى"لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون." [1] . ولهذا من الطبيعي أن يتشدد علماء الحديث في الأسانيد عندما يتعلق الأمر بأحاديث الأحكام، ويتساهلون في غيرها، مثل أحاديث الفضائل والمغازي. وفرّق كثير من المفسرين بين أسانيد تفسير آيات الأحكام، وأسانيد تفسير آيات الأخبار. [2]
يتردد قول شائع يقول"النقل يسبق العقل"، ولكن هل هذا صحيح مطلقا؟ من المعلوم أن منهج التحقق الإسلامي يركز على نقد السند، أي درجة كفاءة الرواة واتصال سلسلتهم، ولكنه قد يلجأ إلى نقد المتن أيضا، أي استخدام العقل في نقد مصداقية التراث الموروث، لأن التراث الإسلامي ليس كله منزل من رب العالمين لفظا ومعنى. فجزء منه يختلط فيه اللفظ المقدس وغير المقدس، أي السنة النبوية التي تتألف من أقوال للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأفعال وتقريرات يرويها أصحابه. وجزء منه بشري محض، أي روايات بشرية لأحداث بشرية.
فعلماء قراءات القرآن الكريم يحرم عليهم استخدام نقد المتن مع نصوص القرآن الكريم لأنه لفظا ومعنى من الله. فبعض الحقائق الجزئية والعامة التي وردت في القرآن الكريم يصعب أو يعجز الفهم البشري عن إدراكها واستيعابها. وقد يدركها إذا نمت الاكتشافات العلمية وتطورت.
وليس أمام علماء القراءات سوى نقد السند (النقد الخارجي) وهو النقد الذي يقود إلى أعلى درجات مصداقية النص، أي نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الله، سبحانه وتعالى. فنصوص القرآن الكريم تمثل أعلى درجات النص المتواتر، الذي ينقسم إلى نوعين: متواتر باللفظ والمعنى، ومتواتر بالمعنى فقط. فالنوع الأول يعني أن البشر لم يتدخلوا في نصه بإضافة أو حذف أو تعديل أو بصياغة، [3] فنسبته إلى الله خالصة، لا تشوبها شائبة. ولكن
(1) النيسابوري، المستدرك ج 1: 216؛ أحمد، مسند ج 3: 21.
(2) الطريفي، التقرير. ص 14 - 16، 28 - 32.
(3) صيني، منهج أبحاث المحدثين، الفصل الرابع.