والقاعدة العامة في الفصل بين الدراسات السابقة والتمهيد هي درجة التصاق الدراسة السابقة بموضوع البحث. يضاف إلى ذلك أن الأمر نسبي. فقد نجد دراسات سابقة وثيقة الصلة فلا نحتاج إلى تجاوزها، وقد لا نجد الكفاية فنتجاوزها إلى الأقل التصاقا، ولكن في حدود مقبولة. وقد تكون مساهمات علمية وقد لا تكون، ولهذا يفضل تسميتها بالجهود السابقة. ومما يستحق الذكر أن البعض يسميها أدبيات الموضوع، وذلك ترجمة للكلمة الإنقليزية الشائعة Literature review.
وعموما يمكن التمييز بين ما يندرج في التمهيد وما يندرج في الدراسات السابقة بالخطوات التالية:
1 -حصر العناصر التي يتكون منها البحث، في ضوء عنوان البحث أو في ضوء فقرة تحديد مشكلته. ثم تحديد العنصر الذي يمثل نقطة الارتكاز في الدراسة.
2 -النظر في الدراسات السابقة واحدة بعد الأخرى لمعرفة نسبة وجود هذه العناصر في كل دراسة سابقة. هل تتوفر في عناوينها أو عناوين موضوعاتها الرئيسة والفرعية جميع العناصر، أو نسبة سبعين في المائة أو خمسين وأقل ... ومن بينها العنصر الذي يمثل نقطة الارتكاز؟
ومثال ذلك، لو كان موضوعنا هو:"مكانة الأنبياء في القرآن الكريم"، سنجد أنفسنا أمام ثلاثة عناصر رئيسة هي: ما هي تلك الآيات؟ ومن الأنبياء الذي ذكرهم القرآن؟ وما هي صفات كل نبي؟ وبهذا، إذا توفر عنصر واحد منهما فيندرج بالتأكيد في التمهيد، وأما إذا توفر عنصران فقد يقبل التصنيفين، اعتمادا على طريقة تناول الموضوع ودرجة وفرة الجهود السابقة، وأما إذا توفرت فيه العناصر الثلاث فمن المؤكد يندرج في الجهود السابقة.
تؤدي عملية استعراض الدراسات السابقة عددا من المهام بالنسبة للباحث أثناء تنفيذه لعملية الاستعراض، وللقارئ عند قراءته ما كتبه الباحث حول الدراسات السابقة. وعموما يمكن حصر هذه المهام فيما يلي: [1]
1 -التأكد من عدم تطرق الدراسات السابقة للمشكلة من الزاوية نفسها، وبالمنهج نفسه، أو التأكد من وجود قصور بها من حيث المضمون أو المنهج، يستوجب إعادة البحث أو مزيدا من الجهود البحثية. فالقصور في المنهج قد يؤدي إلى نتائج خاطئة، والقصور في المضمون، يعني وجود جوانب للموضوع لا تزال في حاجة إلى البحث للإضافة أو للتعديل. وهذا بالتالي يؤدي إلى البرهنة على أهمية البحث المقترح وجدوى تنفيذه.
2 -بيان موقع البحث المقترح من الجهود السابقة في مجال البحث، وإيضاح نوع المساهمة التي تقدمها الدراسة المقترحة في هذا المجال. فهناك ضرورة لتحقيق مبدأ تراكمية المعرفة في التخصص المحدد رغم اختلاف المصادر التي تسهم بالبحث فيه وتعددها.
3 -المساهمة في توضيح أبعاد مشكلة البحث، والتنبيه على العقبات التي قد تعترض عملية البحث.
4 -تزويد الباحث بأفكار كاملة أو جزئية عن المنهج المناسب لإجراء دراسته، أو تنبيه الباحث إلى ما يوجد في مناهج الدراسات السابقة من الإيجابيات ليستفيد منها، وتحذيره من سلبياتها ليتجنبها. وقد تزود الدراسات السابقة
(1) دالين ص 152 - 153.