الفصل السادس
نموذج القضاء والقدر
لقد أثارت مسألة القضاء والقدر مناقشات طويلة عبر القرون وعبر الفرق المتعددة، ولكن المؤمن يعتقد جازما بأن الله خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم حتى قبل حدوثه، إذ يقول تعالى: {بديع السماوات والأرض، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم.} والمؤمن أيضا يعتقد جازما بأن الله فعّال لما يريد، وأن كل شيء يجري تحت سيطرة الله الكاملة ولا يحدث شيء في الكون بدون إذنه ومشيئته. فالله سبحانه وتعال يقول: {إن ربك فعّال لما يريد} . و {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} . [1]
والمؤمن يعتقد بأن الله قد ميًز المخلوقات المكلفة بإمكانات تجعلها مسؤولة عن ما تفعله في حدود هذه الإمكانات، ومنها حرية الاختيار. فالله سبحانه وتعالى يقول: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} ، ويقول تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} . كما يعتقد المؤمن بأن الله لا يظلم أحدا، حيث يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} . [2]
ويهدف هذا النموذج للتفسير إلى استعراض جميع نصوص القرآن الكريم التي وردت فيها كلمتا القضاء والقدر، والخروج بتصور لهما، منفردين ومتداخلين. ولن يتعرض للجوانب الأخرى من الموضوع، مثل الكلمات المرادفة لهما، مثل: أمر، جعل ... ، ولن يتعرض للأبعاد الأخرى للموضوع، مثل تفاصيل الاختبار والمحاسبة النهائية في الآخرة. وهذا النموذج -عموما- يعتمد على دراسة شاملة لمسألة القضاء والقدر، بعنوان: كشف الغيوم عن القضاء والقدر، فمن يرد التفاصيل فعليه أن يرجع إلى المصدر المذكور. [3]
وبعبارة أخرى، فإن المسلم المؤمن يكفيه أن يعتقد جازما صدق ما ورد في هذه الآيات من حقائق، فلا يحتاج بعدها إلى المزيد. ولكن هناك حاجة إلى مواجهة تيار العقلانية المتطرف الذي أصبح سائدا بين أوساط المسلمين وغير المسلمين.
ولعل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في القدر شبيه بالنهي عن كتابة أقواله صلى الله عليه وسلم، حيث كان المنع ضروريا في مرحلة من المراحل، حتى لا يختلط تدوين القرآن الكريم بتدوين الحديث النبوي. ثم رأى العلماء عبر العصور المختلفة بعد انقطاع الوحي أن كتابته أمر ضروري للحفاظ على الدين. ومما يؤكد هذه الحقيقة أن فحول العلماء في العصور المختلفة قد كتبوا في القضاء والقدر، لما رأوه من الضرورة الملحة. وذلك تعزيزا لإيمان المؤمنين ودفعا لخطر جهود المشككين في الإسلام.
فالقضاء والقدر مسألة جوهرية مرتبطة بالتكليف، يحسن عدم تجاوزها عند توفر المعرفة اللازمة. وتنحصر مهمة هذا الفصل -على وجه الخصوص- في توضيح كيف أن العلم المطلق لله سبحانه وتعالى وقدرته المطلقة المهيمنة
(1) الأنعام: 101؛ هود: 107؛ التكوير: 29.
(2) الشمس: 7 - 8؛ الكهف: 29؛ فصلت:46.
(3) إسماعيل، سعيد، كشف الغيوم، وهو منشور في موقع المؤلف www.saeedsieny.net.