يتضح مما سبق من المباحث أن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونية التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتمية. ومن السنن الكونية تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائية (الأتوماتيكية) التي تسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى أوجد الكون ويخلق ما فيه ويسيره بقوله كن فيكون (الأمر المباشر) وبالسن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.
أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. ولكن لا أحد سوى الله، سبحانه وتعالى، يعلم بما هو مكتوب.
وبهذا يتضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الإيمان بأن الجن والإنس مسؤولون عن الطريقة التي يسخرون بها ما أنعم الله به عليهما من نعم لا تُعد ولا تحصى. وترتكز هذه المسئولية وهذا التكليف بشكل أساس على نعمة العقل، والهداية، وحرية الاختيار بين الأسباب ذات النتائج الحتمية أو ما نسميه بالسنن الكونية. ولكن يلاحظ أن هذه الحرية التي أنعم الله بها على المخلوق المكلف ليست مطلقة. فهي مقيدة بمشيئة الخالق المهيمنة عليها هيمنة مطلقة. فالله هو الذي خلق الجن والإنس وجميع المخلوقات وهو الذي منحها النعم التي تستمتع بها وتستثمرها للحصول على السعادة في الدنيا والآخرة، ولاسيما في الآخرة. وهو سبحانه وتعالى قادر على تجريد المخلوقات المكلفة منها متى شاء. وهو الذي خلق الأشياء التي يختار منها، ولا يمكنه الاختيار منها إلا بإذنه تعالى.
ومن الطبيعي أن يترتب على هذا التكليف العادل وجود اختبار متقن. لهذا كانت الحياة الدنيا التي ننعم بها دارًا للاختبار، والآخرة دارًا للجزاء. وليست درجات الفرح والحزن المختلفة ودرجات المتعة والألم سوى وسائل هذا الامتحان. فالاختبار المتقن يمكنه تحديد جميع الحالات التي تتراوح بين النجاح الباهر والفشل الذريع. وليست النعم والابتلاءات إلا عملات صعبة يجب أن نحسن استثمارها في الدنيا المؤقتة لنجني ثمارها العظيمة في الحياة الأبدية.
وتتمثل صعوبة هذا الاختبار في أن النعيم المؤقت قد يتعارض مع النعيم الأبدي، وأن طرق الحصول على النعيم المؤقت محاطة بالمغريات والشهوات، وأما طرق الحصول على النعيم الأبدي فمحفوفة بالمكاره. وعلى المخلوق المكلف أن يضحي أحيانا بنعيم الدنيا المؤقت ليفوز بنعيم الآخرة الأبدي، وأن يتغلب على شهواته ويصبر على المكاره حتى يكون من الفائزين في هذا الاختبار.
كما اتضح لنا أن الله عفو رحيم في محاسبته للمخلوق المكلف، يمهله ويمنحه الفرص الكثيرة للتوبة وللرجوع إلى الطريق السوي، ولكن لا يهمله. فقد يغفر الذنوب الكبيرة للمخلوق المكلف ما لم يشرك به أحدا في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ويموت على ذلك؛ وقد يبدل سيئاته حسنات. ولكن لاضمان لأحد، فعلى المخلوق المكلف أن يبذل قصارى جهده لينجو من النار ويفوز بالجنة في الحياة الأبدية. وما هو مكتوب في اللوح المحفوظ لا يعلمه إلا الله، فعلى الجن والإنس أن يبذلوا قصارى جهدهم واستطاعتهم، فعليه ستكون محاسبتهم.