ولعل السبب في التركيز على الأدلة العقلية يعود إلى تقدم علم المنطق وعلم الأصول اللذين مهدا لمثل هذا النوع من الدراسات. ولعلنا نجد في بعض الدراسات التي عنيت بالبحث في الأشكال الاتصالية بين البشر قاعدة نرتكز عليها في تناول الأساليب العاطفية، ولا سيما التجريبية منها.
لقد قام المعنيون بالرسائل الإقناعية بدراسات كثيرة شملت أساليب الإقناع بأنواعها المختلفة. وكان منها الدراسات التي تميل إلى التفسير العاطفي والوظيفي لطريقة تعامل الجمهور مع الرسالة. وتقول النظريات العاطفية أن الإنسان يتعامل مع المضمونات التي يستقبلها بالطريقة التي تحقق له الاستقرار النفسي. أما النظريات الوظيفية فتشير إلى أن الإنسان يتجاوب مع ما يستقبله من معلومات بالطريقة التي تتفق مع احتياجاته ومصالحه الشخصية. [1]
ويلاحظ أن النظرية الأخيرة في حقيقتها تتصل بالمضمون في الدرجة الأولى؛ ولا تتصل بالأسلوب إلا من حيث قدرة الأسلوب في إبراز تلك المصلحة. وهي في هذه الحالة تندرج تحت الأساليب العاطفية، غالبا.
ويؤكد"لارسون"Larson [2] أنه مما يقرب مصدر المعلومات إلى المستقبل هو أن يوحي الأسلوب بأن المصدر يشترك مع المستقبل في كثير من الصفات، أو يشاركه بعض آرائه ومواقفه. [3] كما وجدت دراسة أخرى أن من الاحتياجات الأساسية للإنسان: حب التملك، والحاجة إلى الحب، والشعور بالأمن والأمان. [4] (فهو يميل إلى التأثر بالرسالة التي تحقق له ذلك أو تؤمله فيها. كما أن التهديد قد يدفعه إلى الاقتناع عمليا وذهنيا. [5] (بيد أنه من حيث درجة التهديد وأثره فان الدراسات التجريبية لم تحل المسألة بعد. فهناك من يقول بأن درجة الخوف العالية تجعل الشخص أكثر طواعية وهناك من يقول بأن الدرجة المتوسطة أكثر فعالية.
ووجد"باكارد"Packard [6] أيضا أن من الاحتياجات البشرية تقدير الآخرين له، وإعجابهم به، وحيازة نوع من السلطة، والشعور بأن له جذور ينتمي اليها.
ويبدوا واضحا من هذه الدراسات أن أساليب الإقناع لا تقتصر على الأساليب العقلية، بل تشمل الأساليب العاطفية. وعند الحديث عن أساليب الإقناع في القرآن الكريم لابد من مراعاة هذه الحقيقة لنخرج بصورة أكثر شمولية.
تهدف هذه الدراسة إلى التأكد من تنوع الأساليب الإقناعية في القرآن الكريم، والى القاء نظرة شاملة على هذه الأساليب.
وليس من الأهداف الرئيسة لهذه الدراسة متابعة الأشكال الجدلية في الجهود السابقة لا من حيث الإضافة إليها أو من حيث نقدها لبيان تداخلاتها، أو تعدد مسميات النوع الواحد منها.