صيغة المتكلم أو المخاطب، أو صيغة الغائب إلى صيغة أخرى. {والله أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها} . [1]
يتميز الأسلوب القرآني بإبداعه للتراكيب النحوية الثانوية المتنوعة التي تؤدي إلى معاني متعددة تحقق أهدافا محددة. فمن خصائصه التفاعل بين التراكيب النحوية المتقنة المتنوعة أشد التنوع وعنصر المضمونات التي يصعب حصرها. [2]
ومن بعض صور هذا التميز في الأسلوب القرآني: التفاعل المتقن بين عناصر النصوص، والقدرة على التعامل مع مستويات مختلفة من المهارة اللغوية وحجم الثقافة عند القارئ، وتعدد الاتجاهات في الأسلوب القرآني.
كما أثبتت بعض الدراسات التجريبية أن لتلاوة القرآن بالصوت المسموع وقعا نفسيا وشفائيا وتأثيرا عجيبا على أعضاء جسم الإنسان، وذلك بصرف النظر عن صوت القارئ أو طريقة القراءة أو ديانة المستمع. بل وحتى الترجمة الإنقليزية كان لمعانيها مفعول خاص أيضا. [3]
هناك تفاعل بين المفردات وطريقة انتقائها ونظمها والتراكيب النحوية ونوعها وأدوات البلاغة بطريقة متقنة مع المضمونات المتنوعة، يعجز البشر عن الإتيان بمثله. فهو الأسلوب، الذي لا يدع مجالا لوجود فجوات أو حالات تنافر بين العناصر اللغوية وعنصر المضمون، لا بالزيادة ولا بالنقصان. وإذا عجزنا عن فهم بعض أسرار الأسلوب القرآني وبدا لنا أنه يفتقد إلى الاتساق أحيانا، فإن ما يظهر لنا يعود قطعا إلى قصور فهمنا البشري. ومما يؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.} [4]
وهذه الحقيقة تنبهنا إلى السبب في أننا كثيرا ما نكتشف بالنظرة الفاحصة خطأ تصورنا السابق. بل ونكتشف أن هناك حكمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالشكل الذي أثار استغرابنا في الوهلة الأولى تجاه النص القرآني.
الأسلوب القرآني قادر على التعامل مع كل قارئ، حسب حاجته وحسب مستواه الفكري وحسب حصيلته الثقافية وحسب قدرته في التدبر ... بل، ويتعامل مع كل جيل إنساني حسب ما توصّل إليه من اكتشافات علمية وحسب البيئة التي يعيش فيها وحسب تطور وسائل عيشه، وكل هذا رغم ثبات النصوص على حالها منذ أربعة عشر قرنا. فالنصوص القرآنية رغم ثباتها بمفرداتها وتراكيبها النحوية عبر العصور والأزمان، فإنه كوعاء يحمل معاني ومدلولات دائمة الحركة والنمو. يقرؤها أهل عصر فيفهمون منها فهما يكفيهم؛ ثم يقرؤها أهل عصر آخر فيفهمون
(1) البنيان ص 15 - 26؛ سورة النمل: 87؛ البقرة: 87؛ فاطر: 9.
(2) انظر مثلا: السيوطي، الإتقان؛ والباقلاني؛ والجرجاني؛ باحاذق 7 - 351؛ عبد الحميد 146 - 163، 283 - 296.
(3) القاضي، تأثير القرآن على وظائف الجسم البشري.
(4) سورة البقرة: 255.