قد تتعارض المصادر الأساسية للتفسير (اللغة، والقرآن، والسنة، والعقل) فيحتاج الأمر إلى التحليل والترجيح بينها. وذلك لأسباب منها تأثر المعاجم اللغوية ببعض الأحاديث المشكوك فيها، ومنها تناقل المؤلفين بعض المدلولات للكلمة المحددة بطريقة تلقائية دون تمعن فيها، ودون فحصها عقليا، وذلك بمقارنتها مع مدلولاتها في القرآن الكريم المحفوظ لفظا ومعنى. ومنها اعتمادهم على بعض الأبيات الشعرية التي لا أسانيد لها وغير قابلة للفحص بمنهج المحدثين أو حتى المؤرخين.
ومثاله التعريف اللغوي لكلمة آلاء بأنها النعم، وذلك اعتمادا على حديث لا يصل إلى درجة الصحيح. فيصطدم هذا التعريف بما يستنتجه العقل من بعض الآيات في سورة الرحمن، حيث يقول تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ... يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ. فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.} [1] فالآية الأولى تتحدث عن صفته تعالى، وتعتبر الآيات الأخرى أن من الآلاء: التحدي، والتهديد، والوعيد، وليست النِعَم.
وكما يبدو واضحا يؤثر الحديث الموضوع أو الضعيف في المدلول اللغوي المسجل في بعض معاجم اللغة الحديثة خاصة، فتأثر هذه المدلولات على فهم نصوص القرآن الكريم. ويتضاعف الخطأ بتعدد مصادره، فيغتر بها العاقل ويصدقها من باب الغفلة.
وهناك ضرورة للفصل بين أدوات الفهم مثل اللغة بصفتها أدلة، وبين فهم المفسرين السابقين. فقد يخطئ المفسر في الفهم اللغوي للمفردة أو العبارة أو الجملة، وقد يضيف إليها مدلولا قد يحتمله، ولكن يجعله يتناقض مع المرجح في الآيات الأخرى التي استعملت اللفظة نفسها. فاللغة العربية هي الحكم في فهم الكتاب ما لم تتناقض مع المدلول الراجح في القرآن. فمعاجم اللغة ليست كلها نقل بحت، فبعض المدلولات فيها هي من استنتاج مؤلف المعجم. ومثاله أن يعتمد اللغوي أو جامع المعجم على حديث لا يرقى إلى درجة الصحيح، دون التدقيق في مصداقيته فيحيد عن الصواب.
تتألف المصادر الثانوية من أقوال الصحابة وتفسير بعض التابعين وعلماء السلف. فهي خير مرشد عند تعارض المصادر الأساسية للتفسير. فهناك متسع للأفهام المختلفة بالنسبة لآيات الأخبار عموما، وحتى بالنسبة لبعض
(1) الرحمن: 26 - 28، 33 - 45.