اللغات يختلف بعضها عن بعض، باختلاف مفردات التعبير، سواء أكانت أسماء أو أفعال أو أحرف، مع وجود احتمال الاشتراك في بعض المفردات والتركيبات اللغوية الأساسية، وإن اختلفت في التفاصيل. وتتولد المفردات المشتركة بين اللغات عادة بسبب الاستيراد والتصدير، فالإنسان كائن اجتماعي حريص على التعارف والاختلاط بالآخرين. وأما اللهجات المتفرعة عن اللغة الواحدة، فالاختلافات بينها تتركز على طريقة النطق لبعض الأحرف، مثل الإدغامات والمدود وطريقة الوقف، وإمالة بعض الأحرف عند نطقها ... وذلك إضافة إلى بعض المفردات المحدودة التي تختلف مدلولاتها من لهجة إلى أخرى، أو تنفرد بها لهجة عن غيرها. [1] وعلى وجه العموم، فإن أصل اللغة أو اللهجة أصوات متنوعة تظهر في شكل أحرف أو كلمات منطوقة في البداية، ثم يتم رسمها بدرجات متفاوتة من الإتقان، قابلة للتطوير.
ويقول ابن الجزري"والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبعمائة، ولا يريدون حقيقة العدد، بحيث لا يزيد ولا ينقص. بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر". فمن الواضح أن رقم سبعة ومضاعفاتها لها حكمة ربانية لا نعلمها. ومن أمثلة هذه الاستعمالات، قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} ، و {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} ، و {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ. لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} . [2] ومما يدل على أنها ومضاعفاتها يُقصد بها الشمولية قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ، وقوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} . [3]
من المعلوم أن النص المتواتر لفظا ومعنى يعني أن النص بلفظه ومعناه قد روته مجموعة من الثقات الضابطين، ونقلوه إلى مجموعة من الثقاة الضابطين ... إلى أن يصل إلى آخر مجموعة من الرواة، إلى يوم الدين. [4]
وقبل الدخول في تفاصيل موضوع تواتر القرآن الكريم، ينبغي التنبه إلى بعض الحقائق الرئيسة، ومنها:
أولا - وعد الله بحفظ القرآن وأصالته، وحسب اصطلاح المحدثين يعني هذا ضمان التواتر لفظا ومعنى. وأرسل نبيه محمدا، صلى الله عليه وسلم، رحمة للعالمين، ومن مقتضياته التيسير في قراءة القرآن مع الحفاظ على أصالته.
ثانيا - تختلف طبيعة القرآن الكريم، وطبيعة السنة النبوية، من أوجه:
1.قدسية ألفاظ القرآن الكريم تختلف عن قدسية ألفاظ السنة. فمثلا نحن نتعبد بتلاوة القرآن الكريم، وإن كان بدون فهم لمعانيه ولكن بأقل درجات التجويد، أي لا يشترط على القارئ المسلم معرفة العربية لينال الثواب الموعود به. وليس للحديث هذه الميزة.
(1) جعفر، القرآن ص 406 - 435.
(2) سورة الحجر: 43 - 44.
(3) ابن الجزري، النشر ج 1: 26.
(4) انظر مثلا: صيني، منهج أبحاث المحدثين، درجة المتواتر.