يشعر بها النبي، صلى الله عليه وسلم. وهي حالة تختلف عن حالة إخبار جبريل النبي ببعض المعلومات التي هي ليست قرآنا. وبالطبع يختلف هذان النوعان عن الإلهام الذي يُنعم الله به على من يشاء من عباده، في أي وقت يشاء. وكما هو معلوم فإن القرآن بصفته هو أثمن جزء من التراث الإسلامي لذا أوجد له علماء السلف منهجا متميزا في الحفاظ على أصالته.
قد يكون من المناسب الوقوف على بعض الحقائق قبل الحديث عن تواتر القرآن لفظا ومعنى، ومنها: بيان المقصود بالتواتر معنى بالنسبة للقرآن الكريم، كيف تتميز عملية فحص مصداقية نصوص القرآن الكريم عن عملية فحص مصداقية الأنواع الأخرى من التراث المنقول إلينا من الماضي؟ وما وظيفة العقل، مقارنة بالنقل، وأيهما أسبق؟ وهل العقل هو الذي ينشئ قواعد التأكد من مصداقية آياته؟ أم أنه يكتشفها فحسب؟
عبارة"لفظا ومعنى"يتردد كثيرا في كتب الحديث والفقه والتراجم، واللغة والتفسير، وتستخدم مجازا لتعنى التام أو المطابق تماما. [1] فالقول بتواتر القرآن لفظا ومعنى ينطلق من هذا المعنى، وإلا فإن التواتر لفظا أمر واضح، إذ يمكن إدراكه حسا، سواء أكان مسموعا أو مكتوبا؛ وأما التواتر معنى ففيه غموض -كما نبّه إليه محمد إغاثة. [2] وذلك لأن المعنى غير محسوس وتتعدد معاني آيات القرآن الكريم بالنسبة للبشر، عبر الزمان والمكان. ولهذا لا بد من التأكيد بأن المقصود ب"التواتر معنى"أن القرآن الكريم هو كلام الله بألفاظه، وما يريده، سبحانه وتعالى، من كلامه محفوظ بحفظ ألفاظه. وذلك باعتبار أن المعنى مقيد بالألفاظ المحسوسة، وتابعة له، حسب مقاييسنا البشرية القاصرة. ويعبر الحكمي عن هذه الحقيقة فيقول"القرآن كلام الله عز وجل حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف". [3] وأما الفهم البشري لألفاظه فيتدرج بين الفهم الصائب لما يريده الله من ألفاظ القرآن وبين الفهم الخاطئ؛ ويتدرج بين الفهم الكامل لمعانيه والفهم الناقص. ومهمة التفسير هي مساندة المعرفة باللغة العربية في الوصول إلى الفهم الصائب أو الذي لا يخرج عن مراد الله، سبحانه وتعالى، بكلماته المحفوظة حسب الوسائل البشرية المحدودة.
وحتى بالنسبة للأقوال البشرية ومؤلفاتها أثبتت الدراسات العلمية بأن هناك فجوة بين قصد المؤلف وبين فهم القارئ بنسب متفاوتة، [4] ولكنها موجودة، وصدق القائل"المعنى في بطن الشاعر". فالمعاني التي أرادها الله في
(1) انظر مثلا: القرطبي، تفسير القرطبي ج 5: 335؛ ابن خالويه، الحجة في القراءات ج 1: 86؛ الشمشاطي، الأنوار 159؛ ابن زكريا، مقاييس اللغة ج 1: 363؛ السبكي، طبقات الشافعية ج 9: 101؛ الحميدي، الجمع بين الصحيحين جزء 2 صفحة 464؛ ابن العربي، أحكام القرآن ج 1: 568؛ شرح فتح القدير جز 1: 314؛ ابن تيمية، مجموع الفتاوى ج 6: 355.
(2) الشيخ محمد زيين العابدين، عضو لجنة مراجعة المصحف في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنورة.
(3) الحكمي، أعلام السنة المنشورة ج 1: 75.
(4) انظر مثلا: Al-Shabab and Baka Real; Agee et. Al pp.37 - 83.؛ صيني، مدخل إلى الإعلام الإسلامي ص 274.