و يقول تعالى عن أصل الكواكب بما فيها الأرض: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} . [1]
ومما يلفت الانتباه ذلك التفاعل بين الاختصار الشديد في العبارة، والقدرة على احتواء المعاني الكثيرة، وتمكين القارئ العادي من فهم المدلولات الأولية للآيات. فالأسلوب القرآني يتميز بجمعه بدرجة هي القصوى بين الأسلوب المختصر جدا، والمعاني التي لا حصر لها. فمدلولات نصوصها (المضمون والأسلوب) تنمو بحسب نمو معلومات القارئ، من حيث الكثافة والتفصيل والعمق، أو بحسب نمو العلوم الإنسانية عبر مئات السنين، والحقائق الكونية التي يسهم مئات المختصين في اكتشافها.
أما الكتابات البشرية فهي إن توفر في بعضها هذه الميزة فهي في الغالب لا تتجاوز حدود المعلومات التي توفرت في الماضي وتتوفر في الحاضر، وشيء من التخيلات، محتملة الحدوث أو غير محتملة، مثل القصص العلمية الخيالية science fictions .
وبعبارة أخرى، فإن القرآن الكريم كلام الله المتفرد في قدرته وعلمه وصفاته، يستحيل على العقل البشري الواحد أو الأجيال المتتابعة أن تستوعب جميع أو معظم مدلولاته. ومن المؤكد أن فهم الإنسان في أي عصر من العصور، يُعد قاصرا. وقد أثبتت التأملات الحديثة لآيات القرآن الكريم كثيرا من المعاني الجديدة، رغم بقاء الأوعية التي تحتويها ثابتة في الشكل منذ أربعة عشر قرنا. وهو مما يدل على براعة الأسلوب القرآني وإتقانه الفريد الذي يجمع بين المعاني المتجددة العديدة والنصوص الثابتة منذ أربعة عشر قرنا.
وتتنوع مضمونات القرآن الكريم بصورة مذهلة، وهي بصفة عامة تنقسم إلى قسمين: الأحكام بصيغة الأمر أو بصيغة الخبر، والأخبار.
لقد قدّر بعض العلماء عدد آيات الأحكام في القرآن الكريم بخمسمائة آية وقدرها آخرون بأكثر من ذلك. [2] وإذا قلنا بأن عدد آيات القرآن هي: (236، 6) فإن آيات الأحكام المباشرة - في العموم - لا تتجاوز عُشر القرآن الكريم.
ومن المعلوم أن أحكام القرآن الكريم قطعية الثبوت، ولكن في معظمها ظنية الدلالة، تحتاج إلى السنة لتصبح قطعية الدلالة. [3]
ومن المعلوم أن المقصد من الشريعة الإسلامية هو التوجيه في مجال العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقات بعضها ببعض. وهي قد تكون على وجه الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو الكراهية أو التحريم (الأحكام في العقائد والعبادات والمعاملات) . فهي مجموعة من الإرشادات، لتحقيق درجات من السعادة في الدنيا وفي الآخرة، تتفاوت بحسب اجتهاد كل مسلم.
(1) سورة فصلت: 11.
(2) الحاج، التقرير ج 3: 389، البحر المحيط جزء 4 صفحة 490؛ الزركشي، البرهان في علوم القرآن جزء 2 صفحة 3.
(3) مثلا أبو زهرة، وصيني، منهج الأبحاث الشرعية.