فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 184

ويلاحظ أن بعض هذه الكلمات ترد في بعض الآيات بمدلولات يتبادر إلى الذهن أنها تعني الجبر، ولكن هذه الآيات يجب أن تُفهم في سياقاتها، [1] ومن خلال الآيات التي تؤكد أن الله قد زوًد العبد بحرية الاختيار. [2]

والأمر الكوني هو المعنيّ به في هذا الفصل وهو نوعان:

1 -أمر رباني مباشر حتمي النتيجة ويتمثل في قوله تعالى: {كن فيكون} . [3]

2 -أوامر ربانية كونية تتمثل في السنن الكونية التي تتألف من أسباب ونتائج حتمية يتفاعل بعضها مع بعض. ولكل سبب في السُّنة الكونية نتيجة حتمية. وقد أشار القرآن الكريم والأحاديث النبوية إلى بعضها. ومن السنن الكونية قوله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} . [4] ومن السنن الكونية أن صلة الرحم تطيل العمر. [5] ومن السنن الكونية المتعلقة بالإنسان واختياراته أن فسوق مترفي القوم يؤدي إلى تدميرهم، كما في قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.} [6] والمقصود ب"أمرنا"أي حدث سبب الهلاك وهو فسوق المترفين. فالسنة الكونية هنا هي الطبيعة البشرية التي تؤكد أن مترفي القوم أسبق إلى الفسوق (سبب) والأغلبية أميل إلى التقصير في واجب الأمر بالمعروف (سبب آخر) والنتيجة هي هلاك تلك الأمة. والأمثلة كثيرة في قصص الأنبياء ومترفي أقوامهم. [7] فهذه سنة كونية يمكن لإبليس وأعوانه محاولة تسخيرها للتسبب في هلاك بعض الأقوام. وهو يشبه قولنا في المستوى البشري: إذا أردنا فتح القفل أدرنا المفتاح إلى اليمين، وإذا أردنا إغلاق القفل أدرنا المفتاح إلى اليسار. فهذا سبب مع نتيجته، ويمكن لأي أحد أن يحرك السبب ليحصل على النتيجة المقررة.

تقوم السنة الكونية التي تتكون من سبب ونتيجة حتمية محددة بوظيفة ذات أهمية بالغة. فالسنة الكونية هي الوحدة الأساسية لبناء أي نظام يعمل تلقائيا، يمكن إدراك أجزائه غير المحسوسة ويمكن التنبؤ بنتائج حركته المستقبلية. ويؤكد ابن تيمية حقيقة استناد الكون على السنن الكونية بعبارة أخرى، حيث يقول:"فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات." [8]

ولتوضيح المقصود من هذه الحقيقة، نأخذ أبسط نظام تلقائي يتكون من وحدة واحدة، هي الساعة الأوتوماتيكية (التي تعمل تلقائيا) بدون الشد على"الزمبرك"أو"السستة" (تعشية الساعة) يوميا، وبدون بطارية. هذه الساعة تعمل تلقائيا لأنها مزودة بزمبركين، عندما ينفرط أحدهما بالتدريج يشد على الآخر بالتدريج. فعملية انفراط الزمبرك الأول سبب لعملية شد الزمبرك الثاني. والاثنان يتبادلان هذه الوظيفة بطريقة تلقائية متتابعة لينتج عن ذلك

(1) انظر أنواع العقوبة الدنيوية لمن يبالغ في الإصرار على الضلال.

(2) انظر حرية الاختيار وأدلتها. والمحمود، القضاء ص 217 - 243.

(3) انظر الآيات: البقرة: 117، آل عمران: 47، النحل: 40، مريم: 35، يس:82، غافر: 68.

(4) الأنفال: 53؛ وانظر الرعد: 11.

(5) ابن تيمية، مجموع 8: 517.

(6) الإسراء: 16؛ وانظر تفسير الآية مثلا في الطبري وابن كثير.

(7) انظر مثلا النجار. وانظر للتعليق على الآية سيد قطب، ظلال ج 4: 2217.

(8) ابن تيمية، مجموع ج 8: 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت