نظام حركي تلقائي متكامل. وعملية الانفراط تقوم بوظائف أخرى متعددة مثل تحريك ترس عقارب الساعة، وتحريك ترس عقرب الدقائق، وتحريك ترس عقرب الثواني، وتحريك ترس اليوم، وتحريك ترس التاريخ. وهكذا يتكون لدينا نظام تلقائي يقوم بوظائف ذاتية متعددة دون الحاجة إلى مساعدة من عوامل خارجية.
وما دامت الساعة تعمل فأنت تدرك، بدون أن تفتح الساعة وتنظر داخلها، أن أحد الزمبركين ينفرط بالتدريج والآخر يُشد عليه بالتدريج، وهذه عملية إدراك لشيء غير محسوس. وأنت تستطيع التنبؤ بأن عقرب الساعة الذي يشير إلى الساعة الواحدة سيشير بعد فترة زمنية إلى الساعة الثانية ... إلخ وهذه عملية إدراك لشيء مستقبلي.
كما لاحظنا، فإن الساعة في المثال السابق ليست سوى نظام بدائي جدا. أما الكون فهو يتكون من شبكة ضخمة لا يعلم بضخامتها وأسرارها إلا الله خالقها. وقد اكتشف الإنسان كثيرا من هذه السنن الكونية بدراساته الاستقرائية، وبالتالي اكتشف بعض هذه النظم التلقائية التي تُسيِر أجزاء محدودة من هذا الكون. وتنحصر معظم هذه الاكتشافات في عالم الجماد والنبات. أما في عالم الحيوان والإنسان والجن ... فلم يصل إلى اكتشاف صور متكاملة للسنن الكونية التي تتحكم فيها، إلا في حدود التكوين العضوي للحيوانات والإنس. أما التكوين الروحي والفكري والنفسي فلا يزال يكتنفه الكثير من الغموض. وحتى في مجال العلوم الطبيعية لا يزال هناك الكثير مما لم يكتشفه الإنسان بعد. [1] ومن هذه التي لم يكتشفها تلك السنن الكونية التي تَمكَّن بها أحد رجال سليمان عليه السلام من نقل عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في لمح البصر. [2]
والفرق بين قدرة خالق شبكة الأنظمة التي تُسيٍر الكون كله وتوجد الأشياء الأخرى وبين مخترع نظام الساعة الأتوماتيكية، أن خالق السنن الكونية يبقى مهيمنا على هذه الشبكة التلقائية وعلى كل شيء يمكن أن يؤثر عليها، وأما مخترع الساعة الأتوماتيكية فإنه يفقد السيطرة عليها بعد تصميمها وصناعتها. فقد تتعطل الساعة بسبب يخرج عن سيطرة صانعها، سواء أكان السبب معروفا لديه أم مجهولا. والفرق الآخر أن صانع الساعة إنما تمكّن من صناعة الساعة بما منحه الله من قدرات ويصنعها بتمكين من الله وفي هيئة ليست سوى هيئة من الهيئات التي خلقها الله وجعلها ممكنة.
وتؤثر السنن الكونية بعضها على نتائج بعض. فلو ألقيت بحجر إلى الأعلى بعيدا عن الجاذبية على سمت قدمك فإن النتيجة الحتمية هي سقوط الحجر على قدمك، ما لم تتدخل سنة كونية، تدفع الحجر بعيدا -أثناء سقوطه- أو تحرك قدمك من مكانه.
ولعل هذه الحقيقة تفسر قول الرسول صلى الله عليه وسلم"لا يرد القضاء إلا الدعاء." [3] فالدعاء لجوء إلى الله الذي خلق السنن الكونية كلها (أسبابها ونتائجها الحتمية) . وبعبارة أخرى، يعد الدعاء لجوءًا إلى القضاء المباشر أو الأمر الكوني المباشر المتمثل في قوله عز وجل: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [4] فمن خلق
(1) انظرا مثلا: ابن تيمية، مجموع ج 8: 68 - 70، 172، 196، 486، 520 - 541؛ وابن القيم، شفاء ص
185 -189؛ صيني، قواعد ص 37 - 59.
(2) انظر النمل: 38 - 40، وانظر قطب، في ظلال ج 19: ص 2641 - 2642،
(3) الترمذي، القدر، ما جاء.
(4) يس: 82.