4)نشرها أو ترديدها،
5)تنقيحها أو تطويرها،
6)الاستنتاج منها: إما باستقراء مجموعة من الحقائق الجزئية لاكتشاف السنن الكونية، بدرجات متفاوتة من الإتقان، أو الاستنباط من حقائقها العامة لتطبيقها في الواقع. ومثالها الاستنباط من الكتاب والسنة للخروج بأحكام شرعية قابلة للتطبيق.
نعم، يقول تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.} [1] فنحن نؤمن بأن القرآن الكريم من الله سبحانه وتعالى لفظا ومعنى؛ وأنه هو القادر على حفظه، ونؤمن بأنه محفوظ من التحريف. وعند استعمال مصطلح المحدثين نؤكد بأنه يمثل أعلى درجات المصداقية في نسبته إلى الله سبحانه وتعالى، أي أنه متواتر لفظا ومعنى. وهذه الدرجة لا يحظى بها إلا حديث نبوي واحد، كما سبق بيانه. [2]
بيد أنه ثبت، أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله، رحمة بعباده، أذن بالتعدد في طريقة قراءة بعض أحرفه أو كلماته، سواء أكانت مستقلة أو عند وصلها بأخرى. قال رسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:"أقْرَأَنِي جبْرِيلُ على حرْفٍ فرَاجَعْتُهُ فلم أزَلْ أسْتَزِيدُهُ ويَزِيدُنِي حتى انْتهَى إلى سبْعَةِ أحْرُفٍ". ويؤكد هذه الحقيقة قول عمَرَ بن الخَطَّابِ سمعت هشَامَ بن حَكيمِ يَقرَأُ سورَةَ الْفرْقَانِ في حيَاةِ رسول اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَاستَمَعْتُ لقِرَاءَتِهِ فإذا هو يَقرَأُ على حروف كَثيرَةٍ لم يُقْرِئْنِيهَا رسول اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكدْتُ أسَاوِرُهُ في الصّلَاةِ فَتَصَبَّرتُ حتى سلَّمَ. فَلَبَّبْتهُ برِدَائِهِ فقلت: من أَقرَأَكَ هذه السّورَةَ التي سَمِعْتكَ تَقرَأُ؟ قال أَقْرَأَنيهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كَذَبتَ، فإن رَسولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قد أَقْرَأَنيهَا على غَيرِ ما قَرَأتَ. فَانطَلَقْتُ بهِ أَقودُهُ إلى رسول اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يَقرَأُ بِسورَةِ الْفرْقَانِ على حروف لم تقْرِئْنِيهَا. فقال رسول اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَرْسِلْهُ. اقرَأْ يا هشَامُ: فقَرَأَ عليه الْقرَاءَةَ التي سمعته يَقرَأُ. فقال رسول اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، كَذَلكَ أنْزِلَتْ. ثمَّ قال: اقرَأْ يا عمَرُ. فَقَرَأتُ الْقرَاءَةَ التي أَقْرَأَني. فقال رسول اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، كَذَلكَ أنْزِلَتْ. إنَّ هذا الْقرْآنَ أنْزِلَ على سَبعَةِ أَحْرفٍ، فاقرؤوا ما تيَسَّرَ منه. [3] والسؤال: ما المقصود بسبعة أحرف؟
قد يتساءل الإنسان عن موضوع نزول القرآن على سبعة أحرف، والقراءات العشر المعتمدة. هناك تفسيرات متعددة، ولكن يظهر من استقراء الكتابات حول الموضوع أن عبارة"أنزلت على سبعة أحرف" [4] تعني جواز تلاوة القرآن الكريم بلهجات متعددة من لهجات اللغة العربية واسعة الانتشار، حينها، دون قيدها بسبعة. ومن المعلوم أن
(1) سورة الحجر: 9.
(2) انظر مثلا: ابن الصلاح ص 241 - 242؛ الكتاني 9 - 24؛ صيني، منهج أبحاث المحدثين، الفصل الثالث.
(3) صحيح البخاري ج 3: 1177، ج 4: 1909.
(4) انظر مثلا: إسماعيل، القراءات ص 37 - 54.