ثانيا - يختزن العقل ما يصل إليه من معرفة بدرجات متفاوتة من الإتقان
ثالثا - يقوم بتصنيف ما يصل إليه من معرفة، من حيث درجاتها في أبعاد المعرفة الخمسة، ومنها المصداقية، أي يحدد درجة مصداقيتها، ودرجة تفصيلها، أي دقة دلالتها (قطعية أو تميل إلى الظنية) ...
رابعا - يستنتج العقل من المعرفة المتوفرة له بعض الحقائق العامة للاستفادة منها، بدرجات متفاوتة من الدقة، بعض الأحداث المستقبلية، مثل النتائج الحتمية للسنن الكونية، ليستعين بها الإنسان في حل مشكلاته اليومية. فالاستنتاج ذو وجهين: وجه يسمى الاستقراء، يُستخدم للخروج بحقائق عامة وقواعد وضوابط؛ ووجه يسمى الاستنباط، يسهم في الوصول إلى الحلول التطبيقية لمشكلات الإنسان اليومية، بالاستنباط من الحقائق العامة. ويستخدم العقل لاستنباط الأحكام من آيات الأحكام، [1] ويستخدم في تفسير المفردات والمصطلحات، والعبارات والجمل التي تحتاج إلى التوضيح بالنسبة للقارئ في عصورنا المتأخرة والقادمة. ومثال الاستنتاج العقلي إدراكه بأن عبارة"كل شيء"لا يعني كل شيء على وجه التحديد، ولكن مجازا عن الكثرة، في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} و {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} و {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} . [2]
خامسا - يقوم العقل بالتعبير عن المعرفة المتوفرة عنده، مستخدما اللغة التي حفظها بالممارسة المكثفة. ومن المعلوم أن عملية التعبير لا تقتصر على العبارات، ولكن أيضا على الصور الذهنية أو المحسوسة. ومنها ضرب الأمثلة الافتراضية أو الواقعية لتوضيح المعاني المعقدة أو الخفية. ومثاله في القرآن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [3]
ويلاحظ أن ردة الفعل العقلية، عند الإنسان، تتدرج بين المحايدة جدا والمتطرفة إلى أحد الطرفين، في ضوء المعرفة أو المعلومات المتوفرة عند الإنسان، ودرجة تحكم عقله في العنصر العاطفي خاصة. وعندما تكون ردة الفعل محايدة تكون متسقة مع الفطرة السليمة. وأما المتأثرة، بدرجات متفاوتة بالمشاعر أو المعلومات أو المعرفة الشخصية المكتسبة، فتكون متطرفة بدرجات متفاوتة بحسب قوة تلك المؤثرات.
يقول الغزالي الأدلة الحسية هي المدركات بدون جهد [4] أو المدرك بصورة تلقائية. وهي تختلف عن الأدلة الفطرية، لأنها تستند إلى الإدراك الحسي، وليس إلى الذهن مباشرة.
(1) انظر مثلا صيني، منهج الأبحاث الشرعية، الفصل
(2) النمل: 16، 20، 23.
(3) الحج: 73 - 74.
(4) الغزالي، المستصفى ج 2: 119.