الله ما كان شرا في شرعه أو بالفطرة التي فطر مخلوقاته عليها، أو يكرهه. والعبد قد يختار الخير أو الشر، ليفعله ويتصف به. ولعل هذا يفسر قوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل كل من عند الله.} [1] وقوله تعالى: {ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها} [2] وقوله تعالى: {أوَ لمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا، قل هو من عند أنفسكم. إن الله على كل شيء قدير} . [3]
فالآية الأولى تؤكد أن كل شيء من خلق الله ولن يستطيع الإنسان خلق شيء من العدم. والآية الثانية تؤكد حرية الاختيار للإنسان واستطاعته فعل الخير أو فعل الشر. وتؤكد الآية الثالثة بأنه لما كان الله يكره الشر فإن المخلوق المكلف إذا اختار فعل الشر مع وجود الخيار الآخر، فإنه هو المسؤول عن هذا الشر.
والحقيقة، حتى إبليس- أصل الشر والغواية- كان من الجن المؤمنين ولكن فشل في الامتحان برفضه الامتثال لأمر ربه، واختار طواعية أن يتصف بالشر وأن يصر على الرفض ويعقد العزم على غواية المخلوقات المكلفة، حتى تحرم من الجنة كما اختار لنفسه الحرمان منها. [4]
يلاحظ عموما أن المعيار الحقيقي الذي يميز الخير عن الشر ودرجاتهما المتفاوتة هو التشريعات الربانية. ولكن يلاحظ أيضا أن الخير والشر في حالات كثيرة أمور نسبية فما يعتبر خيرا في حالات يعتبر شرا في حالات أخرى. [5] فالقتل اعتداء يعتبر شرا، وأما دفاعا عن النفس فيعتبر خيرا. وما يعتبر شرا بالنسبة لمخلوق قد يعتبر خيرا لمخلوق آخر؛ فالمرض -في الظاهر- شر للمريض وأقربائه، وهو مصدر رزق للطبيب ومن يعمل في المستشفيات ...
عند مراجعة النصوص القرآنية وما يسندها من مصادر التفسير الأخرى، مثل الأحاديث النبوية ومعاجم اللغة العربية، نجد معاني متعددة لكلمة القدر ومشتقاتها. ومن هذه المدلولات التي تعنينا، بعد استبعاد مشتقات كلمة"قدِرَ" (استطاع) ، مثل القدرة، وقادر، وقدير، سنجدها تعني: القضئ الرباني الكوني الذي يعبر عنه بالأمر"كن فيكون"، خلق الأشياء بمقادير منتظمة، وعلم الله بما سيحدث، ثم جاءت صفة لنوع من التفكير البشري، أي يفحص الواقع، ويتخيل قرارا ويتوقع نتيجة ظنية، (خمَّن، يخمن) وذلك في مقابل العلم الرباني اليقيني بما حدث، ويحدث، وسيحدث، والمحتمل حدوثه. [6]
(1) النساء: 78.
(2) الشمس: 7 - 8. وانظر اللإنسان: 2.
(3) آل عمران: 165؛ وانظر ابن القيم ص 28 - 29.
(4) ابن تيمية، مجموع ج 8: 122 - 123، 275 - 277، 204 - 234؛ 387 - 405، ج 14: 27 - 28؛ ابن القيم،
شفاء ص 52 - 64، 89؛ دسوقي ج 1: 130 - 135، 272 - 300.
(5) ابن تيمية، مجموع 14: 21.
(6) الحجر: 60. وانظر مثلا: الطبري وابن كثير لتفسير الآيتين وكذلك ابن منظور والزبيدي.